برع في العلوم الدينية كلها أصولها وفروعها ، وفاق في الصناعات العربية والفنون الأدبية
شرح
الفضلاء المتأخرين : إنه لا طائل تحت السؤال إذ دعوى الاستلزام غير ظاهرة لما مرّ أنّ المتوقف عليه الاعتداد بها أي لا يعتدّ بها ما لم تؤخذ من الشرع ، وكذا الأوجه للقول بأنّ الأوّل بالنسبة للسلف ، والأصحاب والثاني بالنسبة لغيرهم ، لأن المراد بالعلوم العلوم المدوّنة المشهورة ، وهي بعد الصدر الأوّل والمقصود الترغيب فيه من بينها لتبقى علوم السلف خارجة انتهى . وفيه دخل يعلم مما قدّمناه ولبعضهم هنا كلام تركه أتم فائدة من ذكره . قوله : ( وفاق في الصناعات العربية الخ ) قيل : العلم إن لم يتعلق بكيفية عمل كان مقصودا في نفسه ، ويختص باسم العلم ، وإذا تعلق بها ، وكان المقصود منه ذلك العمل يسمى صناعة في عرف الخاصة ، وينقسم إلى قسمين قسم يكون حصوله بمجرّد النظر والاستدلال كالطب ، وقسم لا يحصل إلا بمزاولة العمل كالخياطة ، وهذا القسم يختص باسم الصناعة في عرف العامة ، والظاهر أنه لا يطلق العلم على مثل الخياطة والحياكة إلا أن يراد أنه علم لغة ، وعلم الأدب عرّفوه بعلم يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا أو كتابة وقسموه إلى اثني عشر قسما على ما في شرح المفتاح .
وسميت أدبية لتوقف أدب النفس والدرس عليها بقي أنه قيل إن بعض فنون الأدب لا يستمدّ منه التفسير ، وهو العروض والقافية وقرض الشعر والإنشاء فمراده بأنواعها أنواعها الكاملة المعتبرة ، ولا شك أن من أراد النظر فيه على أتمّ الوجوه يحتاج إليها ، أمّا الخط فإن الرسم العثمانيّ يحتاج إليه فيه ، فلا بدّ من معرفته ليعلم ما جرى على وفقه ووجه مخالفة ما خالفه ، وكذلك قرض الشعر والعروض والقافية لو لم ينظر فيها لم يفرق بينه وبين الشعر حتى يعرف معنى قولهوَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ[ سورة يس ، الآية : 69 ] مع وقوع أنواع من الموزون فيه ، وكذا الإنشاء ينظر فيه ليعرف مخالفة النظم المعجز له كما قيل : عرفت الشرّ لا للشرّ لكن لتوقيه ، ثم قال : إن علم القراءات لا بدّ منه أيضا في التفسير ولم يعدّ من العلوم الأدبية فإمّا أن يدرج في الدينية لاختصاصه بالقرآن ، أو في علم التفسير كما يشعر به كلام المصنف رحمه اللّه فيما سيأتي ويعرّف التفسير حينئذ بما يعرف به معاني كلام اللّه وألفاظه بحسب الطاقة البشرية ، وتكون تسميته بالتفسير تسمية له بأشرف أجزائه ، ولا يخفى ما فيه فإن أحدا لم يعدّ القراءات من التفسير مع أن أكثر مسائله المتعلقة بالأداء لم يذكر فيه ، والمصنف لم يحصر ما يتوقف عليه التفسير فيما ذكره فكم من أمور تلزم فيه أحيانا ولم يذكرها ، ثم إنّ المصنف رحمه اللّه أن جعل قوله بأنواعها قافية لفروعها فلا يخفى ما فيه من اختلاف الردف فكأنه لم يقصد التقفية فيه ، وفي تعبيره عن الشرعيات بالعلوم وعن غيرها بالصناعة حسن أدب لطيف .
تنبيه : قال الجواليقيّ في « شرح أدب الكاتب » : الأدب في اللغة حسن الأخلاق ، وفعل المكارم ، وإطلاقه على علوم العربية المذكورة مولد حدث في الإسلام ، وكذا قاله الإمام