تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
. . .
شرح
الكريم ونقله الجرجاني وطائفة من النحويين وأنشدوا تأمّل حقا إنني أنا ذلكا . وقال السهيلي : إنه باطل لأنّ الشاعر إنما أراد ذلك الذي كنت تحدّث عنه ، وتسمع به هو أنا ، والذي حداهم إليه قوله تعالىألم ذلِكَ الْكِتابُ[ سورة البقرة ، الآية : 1 ] فإنّ معناه هذا الكتاب ألا تراه قال في آية أخرى ، وهذا كتاب أنزلناه فهذا وذلك فيه بمعنى ، وليس كذلك لأنّ الإشارة في هذه الآية إلى ما حصل بحضرتنا وانفصل عن حضرة الربوبية بالتنزيل ، فصار مكتوبا مقروءا ، فالمعنى ذلك الكتاب الذي عندك يا محمد والمتكلم يقول هذا لما عنده وذلك لما عند المخاطب أو غيره ، وقوله : ألم بحروف التهجي التي تقطع بها الحروف ، وتكتب حرفا حرفا ، والكتابة والتلفظ إنما هو في حقنا وإذا لم تذكر هذه الحروف قيل هذا كتاب أنزلناه ، لأنه عنده سبحانه على ما هو عليه حقيقة ، وعندنا هو متلوّ مكتوب كما يليق به ، فاقتضته البلاغة والإعجاز فصلا بين المقامين وتفرقة بين الإشارتين ا ه . ( أقول ) هذا معنى بديع ونظر لطيف رفيع علم منه معنى الوجهين المذكورين هنا أمّا الأوّل فقد مرّ ما يكفيك مؤنة بيانه ، والمراد من الثاني أنّ من أعطى غيره شيئا أو أوصله إليه ، ثم ذكره فإن كان عنده ، أو لاحظ كونه عنده عبر بهذه لأنه في حضرة القرب منه ، فإذا أوصله لغيره أو لاحظ وصوله له عبر بذلك لأنه بانفصاله عنه بعيد ، أو في حكمه كما قيل : كل ما ليس في يديك بعيد . وليس هذا هو البعد والقرب الرتبي كما يوهمه كلام الشرّاح هنا ، ولما لم يتفطن له بعض أرباب الحواشي صرح به لظنه أنه اهتدى له ومن لم يهد اللّه فما له من هاد ، وقول المعترض : إنه كان قبل الوصول كذلك مبنيّ عليه ، فالاعتراض وجوابه ليس بشيء وتخصيصه بالألفاظ لا يطابق قول العلامة ، كما تقول لصاحبك ، وقد أعطيته شيئا : احتفظ بذلك . وكون المراد بالمرسل إليه ليس هو النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا مرية في صحته لمن تحقق ما حكيناه عن النحاة آنفا وكونه مخالفا لما يفهم من العبارة دعوى قام الدليل على خلافها . وقوله وأيضا إلخ كلام فارغ لا حاصل له ، وقد قيل عليه إنه إن أراد أنّ ألم ليس بمشار إليه مطلقا ، فممنوع ، وإن أراد من حيث لفظه فمسلم ، لكن المدّعي أنه مشار إليه من حيث كونه رمزا للمؤلف من الحروف ، وما قيل : من أنّ رجوعه له من هذه الحيثية رجوع لمسماه فيرد عليه ما يرد عليه لا يخفى ما فيه ، وأمّا ردّه على الفاضل ، فغير وارد لما في شرحه للمفتاح من أن وضع أسماء الإشارة للإشارة إلى محسوس وإن كان استعمالها في غيره أكثر من أن يحصر وإذا شاع مثله وقارنه الوصف الدال على المشار إليه تقوى بذلك حتى صح أن يقال إنّ مثله حقيقة في عرف التخاطب ، وله شواهد لولا خوف الإطالة أوردناها والعجب منه أنه أنكر هذا أشدّ إنكار ، ورجح ما هنا على ما في المفتاح بأنه صار حقيقة فيه فما الفرق بين اللفظ المتقدّم والمتأخر ، ثم
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 285 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي