تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
وأفض علينا من بركاتهم واسلك بنا مسالك كراماتهم ، وسلم علينا وعليهم تسليما كثيرا . ( وبعد ) فإن أعظم العلوم مقدارا وأرفعها شرفا ومنارا : علم التفسير الذي هو رئيس العلوم
شرح
أو استعارة أخرى تبعية ، وتقريرا مصدر مؤكد . قوله : ( وأفض علينا من بركاتهم الخ ) قد مرّ تحقيق الإفاضة ، وما يدلّ على أنها الإحسان الكثير والبركة للزيادة والنماء ، وهي هنا زيادة معنوية ، والمعنى حصل لنا الخيرات بالتوسل بهم إليك حتى كان ذلك من نفس خيراتهم ، أو علمنا علومهم ، وأفض علينا من معارفهم . قوله : ( واسلك بنا مسالك كراماتهم ) أي أدخلنا في الطريق التي أوصلتهم إلى إكرامك لهم بنيل المراتب العلية عندك ، وبما أعددته لهم مما هو ، كالمنزل لهم في دار البقاء ، وهذا أحد معاني الكرامة ، وقال بعض الفضلاء ذكرهما بين صلّ وسلم لكونه أقرب إلى الاستجابة لوقوعهما بين المستجابين ، ولو بالنسبة إلى بعض المدعوّ لهم ، والباء في بنا للدلالة على التكرير والدوام ، فإنّ السلك بالفتح بمعنى الإدخال متعدّ قال تعالى :كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ[ سورة الشعراء ، الآية : 200 ] وفي لغة أخرى يقال أسلك فيه ، وأدرج دعاء التسليم على من أراده بضمير علينا في دعاء التسليم على النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن أعانه حيث أخر سليما رجاء استجابته مع رعاية السجع فيه انتهى . وقيل إن الدوام فهم من الملابسة المحمولة على الكمال فتدبر . واعلم أكرمك اللّه أنّ زبدة ما قصده المصنف رحمه اللّه من أوّل الخطبة إلى هنا مع رعاية براعة الاستهلال أنه حمد اللّه بعد حمده الذاتي على نعمه التي من أجلها تنزيل معجز كلامه على أعظم رسله المرشد . لكافة الأنام بما بلغه من الأحكام ، كما أومأ إليه بقوله ، ثم بين الخ وبما قرّره من حقائق العلوم اللدنية ، ودقائقها المشار إليه بقوله : وأبرز الخ . وبما أبداه من العقائد الحقة الدالة على التحميد والتمجيد بصفات الذات والأفعال المرموز إليه بقوله لينجلي إلى آخره ، وأدرج فيه بعدما أفاضه بالوساطة المحمدية من جلائل النعم ما قاساه في حمل أعباء الرسالة في مغازاة الجاهلية من الشدائد والمهالك المكنى عنه بقوله : فتحدى ، ومن لم يرفع إليه رأسه ، ونحوه ليتفكر العارف تفكيرا وتشرق به مشكاة قلبه ، وتنفتح عين بصيرته حتى يشاهد جمال ذاته من مشرق صفاته قائما في مقام الإحسان كأنه يراه ، وهذا هو السبب في التفاته لخطابه والتماس الفيض من جنابه ، فلهذا فرّعه عليه بالفاء واصفا له بوجوب الوجود وإفاضة الجود اللذين هما أصل صفات الذات والأفعال ، والتمس منه غاية مناه من سعادة الدارين بعد الدعاء للواسطة في ذلك والثناء عليه ، وإذا عرفت هذا فاعلم أيضا أنّ المناسب لمغزاه أن يرجع الضمائر ويسند الأفعال السابقة عليها للنبي صلى اللّه عليه وسلم ليدلّ ذلك صراحة على غنائه ، ونفعه بإرشاده وتعليمه ، وغير ذلك مما أثمر السعادة العظمى ، وعلى عنائه وتعبه في تحدّيه وعناد أعدائه الداعي للقتل والقتال ، فيأخذ الكلام بعضه بحجز بعض ويضمخ بمسك ختامه مفارق افتتاحه ، وهذا مما منّ اللّه به بفيض كرمه . قوله : ( وبعد فإنّ أعظم العلوم مقدارا )