. . .
شرح
الكلام على بعد وكون الفاء لتوهم أمّا أو تقديرها أشهر من قفا نبك فإعادته تعدّ من الفضول والمقدار والقدر بمعنى والمراد به هنا المنزلة والشرف الرتبيّ والعلوم إن كان المراد بها هنا العلوم الشرعية ، وهي التفسير والحديث والفقه على أنّ تعريفها عهدي ، وهو المتبادر منه إذا أطلق ، ولذا اختاره بعض المحشين فلا شبهة في كونه أعظمها وإن كان المراد ما يشمل سائرها ، فكذلك لأنه عظم بشرف موضوعه ، وشرف معلومه وغايته ، وشدّة الاحتياج إليه ، وهو حائز لجميعها ، فإنّ موضوعه كلام اللّه الذي هو معدن الحكم ولا شك في أنه أشرف الموضوعات ، ومعلومه أشرف المعلومات مع أنه مراد اللّه تعالى الدال عليه كلامه الجامع للعقائد الحقة والأحكام الشرعية وغير ذلك مما لا بدّ منه كما قال تعالى :ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ[ سورة الأنعام ، الآية : 38 ] وغايته الاعتصام بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، والوصول إلى سعادة الدارين وشدّة الاحتياج إليه ظاهرة لتوقف الأدلة والأعمال والأحكام عليه ، فإن قلت : موضوع علم الكلام ذات اللّه وصفاته ، وهي أشرف من كل شيء فيكون علم الكلام أشرف منه . قلت : المتقدّمون على أنّ موضوع علم الكلام المعلوم ، وقيل : الموجود من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية على ما فصلوه ، وحينئذ لا يلزم كون موضوعه أشرف ، وذهب القاضي الأرمويّ من المتأخرين إلى أنّ موضوعه ذات اللّه ، وذهب صاحب الصحائف إلى أنه ذات اللّه من حيث هي ، وذات الممكنات من حيث استنادها إليه ، وردّ بأنه لو كان كذلك ما كان اثباته من المطالب الكلامية كما في شرح المقاصد ، وليس هذا محل تفصيله إلا أنا إذا سلمناه نقول كلام اللّه مشتمل على التوحيد والعقائد الحقة فيندرج في موضوعه موضوع الكلام ، وزيادة الخير خير أو نقول مجموع الثلاثة لا تجتمع في غيره ، وقال بعض الفضلاء رحمه اللّه تعالى : فإن قيل قد ذكروا أن علم الكلام أساس العلوم الشرعية ، وعليه مبنى الشرائع والأحكام إذ لولا ثبوت الصانع وصفاته لم يتصوّر علم التفسير والحديث وكذا الفقه والأصول ، وكلام المصنف رحمه اللّه تعالى يدلّ على خلافه وتخصيصه بما سوى الأحكام خلاف الظاهر .
قلنا : السمعيات من الكلام دليلها القرآن أو ما يتوقف حجيته عليه وما يستقلّ بإثباته العقل لا يعتدّ به ما لم يؤخذ من الشرع ، فيستند إليه أيضا من حيث الاعتداد به والاستدلال به يتوقف على علم التفسير ، وهذا لا ينافي كون الكلام أساسه باعتبار القسم الأخير من حيث التصديق لا من حيث الاعتداد به انتهى .
قلت : قد علمت مما مرّ عدم ورود هذا السؤال ، وأمّا كون ما يستقلّ به العقل كالإيمان بوجود الباري يؤخذ من الشرع فهو بناء على ما قاله بعض الأشعرية وخالفه بعضهم ، وبعض الماتريدية قال في التلويح وغيره إن ثبوت الشرع موقوف على الإيمان بوجود الباري وعلمه وقدرته وكلامه ، وعلى التصديق بنبوّة النبي صلى اللّه عليه وسلم بدلالة معجزاته ، فلو توقف شيء من هذه الأحكام على الشرع لزم الدور انتهى وفيه كلام ليس هذا محله ، وما قيل من أن المراد أنه من