تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
وأطفأ نبراسه يعش ذميما ، ويصل سعيرا ، فيا واجب الوجود ، ويا فايض الجود ويا غاية كل
شرح
المجتهد ، وبالثاني المقلد فهذا هو المنهمل في الجهل والضلال ، وقيل : الأوّل صاحب التأويل والثاني صاحب التفسير وهذا الجاهل البحت وفي قوله : ( نبراسه ) إشارة إلى مكنية فإن فهمت فنور على نور وفي قوله يرفع إليه رأسه إشارة إلى علوّ مرتبته ورفعة منزلته لأنّ الناظر إنما يرفع رأسه لما كان عاليا عليه مرتفعا فوقه ، وهكذا هو يعلو ولا يعلى عليه قوله : ( فيا واجب الوجود ) لما كان جميع ما سبق إلى هنا يدلّ على أنّ كلامه المعجز الذي بلغه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتحدّى به ، وأبرز فيه خفايا الملك والملكوت ، وخبايا قدس الجبروت من الصفات القدسية الدالة على وجوب وجوده ، وإنعامه بجلائل النعم بواسطة ما أنزله على نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وأمره أن يصدع به فبذل طاقته في تبليغه وتبيينه على أحسن وجه يرتسم في مرآة البصائر والعقول صار كأنه مشاهد لذلك في حضرة قدسه واقف بين يديه مناج له فلهذا التفت بعد الغيبة وفرع النداء بالفاء على ما مرّ ، كما سيأتي في الفاتحة ، فقال : فيا واجب الخ . وقيل : لما لزم من كون القرآن معجزا كون المتكلم به واجب الوجود إذ الممكن الوجود ، لو قدر على مثله لم يكن ذلك معجزا ومن كونه مكملا للناس بحسب القوّتين كونه فائض الوجود ، وكان المقصود الأصلي والغرض الأولي لكل من استكمل بالكمالين تحصيل الرضوان ، ومشاهدة جمال الرحمن فرّع عليه قوله : فيا واجب الوجود الخ . وقيل : إن هذه الفاء سببية رابطة لما بعدها بشرط مفهوم من الكلام السابق أي ، من كان بهذه المثابة من السعي في أعلاء كلمتك ، والشفقة على خلقك فصل عليه يا واجب الوجود الغنيّ بالذات ، وهذا يناسب كون الأفعال السابقة مسندة للعبد كما لا يخفى ، وستسمع عن قريب توجيها آخر اخترناه فيه كفاية عن القيل والقال ، ووجوب الوجود كون ذاته مقتضية لوجوده ، أو كونه عين وجوده ، وهو يقابل الامتناع والإمكان ، فإن كان ذاتيا فمعناه ما لا يمكن عدمه ، كما فصل في علم الكلام ، وإطلاق واجب الوجود على اللّه مبني على ما ذهب إليه الغزالي رحمه اللّه تعالى من جواز إطلاق ما علم اتصافه تعالى به على طريق التوصيف دون التسمية لأنّ إجراء الصفة إخبار بثبوت مدلولها فيجوز إذا تحقق بدون مانع بخلاف التسمية ، فإنها تصرّف في المسمى لمن له الولاية ، وهو منزه عن ذلك . قوله : ( ويا فائض الجود ) فسر الحكماء الفيض بفعل فاعل يفعل دائما لا لعوض ولا لغرض ، والجود بإفادة ما ينبغي لمن ينبغي لا لعوض لأن من فعل لعوض يناله فهو فقير ، أو متجر والغنيّ هو الذي لا يحتاج في ذاته وكماله إلى غيره ، والغنيّ المطلق هو الذي وجوده من ذاته ، وهو نور الأنوار ولا غرض له في صنعه بل ذاته فياضة للرحمة ، وهو الملك المطلق كما في هياكل النور ، وأصل الفيض سيلان الماء من جوانب ما هو فيه لزيادته ، ووجه الشبه كثرة المنافع ، أو هو من فاض الخبر إذا شاع فيكون حقيقة كما فصل في حواشي شرح المطالع ، وفائض الجواد وصف بحال المتعلق كواجب الوجود أي فائض جوده وواجب وجوده . قوله : ( ويا غاية كل مقصود ) أي كل مطلوب يطلبه كل طالب لا بدّ أن ينتهي إليك ، فإنك المفيض للخير لا سواك من الوسايط ، فالمراد