الإتيان بما يدانيه وليكون أوّل ما يقرع الأسماع مستقلا بنوع من الإعجاز فإنّ النطق بأسماء
شرح
( عن آخرهم ) هذه عبارة مشهورة مسموعة من العرب قديما أي عبارة عن الاستيعاب والشمول .
وقال العلامة هو أبلغ من جميعهم لأن عن للمجاوزة ، فالمراد عجزوا عجزا متجاوزا عن آخرهم وإذا تجاوز العجز عن آخرهم شملهم كلهم أوّلا وتجاوز عنهم ثانيا ، فهو أبلغ من عجزوا جميعا ، وقيل عليه بل المعنى عجزا صادرا عن آخرهم لا متجاوزا عنه ، لأنّ معنى تجاوز عنه عفا عنه ، وغفروا ما بمعنى التعدّي فالمجاوزة فيه متعدّية بنفسها ، ودفع بتضمين معنى التباعد بمعونة المقام إذ لا محل للعفو هنا مع أنه تعدّى بكلمة عن أيضا في كلام من يوثق به ، وقيل المعنى حينئذ عجزا صادرا عن آخرهم إلى أوّلهم ، وفيه أن مقابل كلمة إلى من الابتدائية لا عن ، فإن قيل هذا تطويل بغير فائدة ، إذ قدّر التجاوز وضمنه معنى التباعد فهلا قدر التباعد ابتداء ، فإنه يتعدّى بعن في كلام العرب كما مرّ في قوله :تباعد عني فطحل إذ دعوتهقيل بل فيه فائدة ، وهي أنّ التباعد عن الآخر هنا بطريق المجاوزة لا بطريق عدم الوصول إلى الآخر أو المحاذاة ، فلو لم يقدّر كذلك توهم هذا ، وإن كان المقام قد يأباه ، وقيل إنه غير وارد لأن مراد ذلك القائل بيان معنى عن وإظهار وجه تعلقه بالفعل ، ونظيره قول ابن الحاجب في معنى جلست عن يمينه متراخيا عنه ، كأنه متجاوز عن موضعه إلى الموضع الذي بحيال يمينه ، وله نظائر ولا يخفى عليك أنه إذا تعلّقت عن بالفعل لا تفيد هذا المعنى الذي ادعاه هذا القائل لأنّ معنى العجز عن الآخر أنهم لا يقدرون على الآخر لا أنّ الآخر عجز وتجاوزه العجز ، ولو كان مراده ذلك لقال متجاوزا الآخر ، ولا يخفى ما فيه من الخلل ، ثم أنهم لم يستندوا في التعدية المذكورة إلى نقل ، وقول الشريف من يوثق به أراد به الرضى كما أشار إليه في حواشيه عليه ( وأنا أقول ) إنه وقع بهذا المعنى معدّى بعن في قول أبي تمام :فلا ملك فرد المواهب واللها * تجاوز لي عنه ولا رشأ فردقال التبريزي في شرحه : لا نفي لتجاوز الملك ، والتقدير لا تجاوز لي عنه الملك الفرد ، ولا الرشأ أي متى ملكني لم يقدر على تنحيتي عنه ملك بذال ولا رشأ فرد ا ه فمثل أبي تمام إذا استعمله ، وما يقول بمنزلة ما يرويه كما سيأتي ومثل التبريزي من أئمة اللغة ، وناهيك به لم يعترضه ، وأشار إلى تعديه بعن لما فيه من معنى التنحية المعدّاة بها كفى دليلا عليه ، وقيل عن بمعنى من مع وجوه أخر متكلفة ضربنا عنها صفحا لركاكتها . قوله : ( وليكون أوّل ما يقرع الأسماع إلخ ) عطف على قوله : إيقاظا وأظهر اللام تفننا ، وللإشارة إلى أنه وجه آخر وحذفت من الأوّل دونه لوجود شرط النصب ، وهو كون المفعول له فعلا لفاعل الفعل المعلل إلّا أنه قيل عليه أنه إذا عطف على إيقاظا تعلق بافتتحت ، وسببية عنصرية المسميات للكلام للافتتاح المعلل بكون أول ما يقرع الأسماع مستقلا بنوع من الإعجاز غير ظاهرة فلا يجعل المعطوف