تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
ويناجيه شفاها اللهمّ اجعلنا من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر ، ومن عادة العرب التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى أسلوب آخر تطرئة له وتنشيطا للسامع فتعدل من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس ، كقوله تعالى :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي
شرح
الواقع بعد إجراء الصفات الموجبة لليقين يوجب كون المخاطب كأنه مشاهد ولا شبهة في صحة هذا الكلام ، والجواب عن الأوّل أنّ هذا منتهى السير إلى اللّه فلذا عدّت منتهى حاله ، وفيه نظر لا يخفى ، ومنتهى اسم مفعول أو مصدر ميميّ بمعنى النهاية والخوص الدخول في الماء ، واللجة الماء المجتمع من البحار ونحوها وهو استعارة تمثيلية أو يخوض استعارة تبعية بمعنى يشرع ، واللجة ترشيح له أو لجة الوصول من قبيل لجين الماء ، والمراد من العين الذات المعاينة ، والأثر فسر هنا بالخبر ، وهو المناسب للسمع ولمراده إذ المراد الدعاء بأن يكون ممن كشف له الغطاء فلم يقف على السماع والمعروف في الأثر المقابل للعين أنه بمعنى العلامة ، وفي المثل لا أثر بعد عين ، والمناجاة المكالمة ، والشفاه مصدر بمعنى المشافهة . قوله : ( ومن عادة العرب إلخ ) قدّم المصنّف رحمه اللّه نكتة الالتفات الخاصة بهذا المقام لشدّة ارتباطها بتفسيره ، وللاهتمام بها . ثم أشار إلى فائدته العامّة من جهة المتكلم وهي التصرّف في وجوه الكلام وإظهار القدرة عليها ، ولذا قال ابن جني رحمه اللّه إنه شجاعة العربية ، وأردفها بفائدة أخرى من جهة الكلام ، وهي التطرية أي تجديد أسلوبه وإبراز عرائس المعاني في حلة بعد حلة ، وفائدة أخرى من جهة السامع وهي تنشيطه وله فوائد خاصة بكل مقام كما أشار إليه أوّلا بقوله ليكون إلخ . والتفنن كالإفتنان الإتيان بفنون ، وأنواع من الكلام وهو أعمّ من الالتفات لشموله اختلاف وجوه الإعراب في النعوت المقطوعة ، والأسلوب بضم الهمزة الطريق والفنّ ويصح إرادة كل واحد منهما هنا ، والتطرئة بهمزة بعد الراء أو ياء فهو مهموز وغير مهموز وقيل بمعنى التجديد ، إمّا من الطراوة أو من طرأ بمعنى ورد وحدث ، وفي المصباح طرو بالواو بزنة قرب فهو طريّ بين الطراوة وطري وزان تعب لغة ، وطرأ فلان علينا يطرأ مهموز بفتحتين طرو أصلع فهو طارئ ، وطرأ الشيء يطرأ أيضا طرآنا مهموز حصل بغتة وأطريته بالياء والهمزة مدحته ا ه وتنشيط السامع ترغيبه في الاستماع وإذهاب كسله وملله من قولهم رجل نشيط أي طيب النفس للعمل ، والمصنّف رحمه اللّه جعل التنشيط علة للعدول ، والمفهوم من كتب المعاني أنه غرض التطرية والأمر فيه سهل . قوله : ( فتعدل من الخطاب إلخ ) فأقسامه ستة وهي ظاهرة ، وهو عند السكاكي مخالفة الظاهر في التعبير عن الشيء بالعدول عن إحدى الطرق الثلاث إلى غيرها تحقيقا أو تقديرا ، ومنهم من اشترط سبق تعبير بطريق آخر معدول عنه وهو ظاهر كلام المصنّف ، ويقرب منه التجريد المذكور في البديع ، والفرق بينهما بين في محله ، ووضع الظاهر موضع المضمر قد يكون التفاتا وقد لا يكون ، وهل الالتفات حقيقة أو مجاز والحق أنه قد يكون حقيقة وقد يكون مجازا ، ولذا ذكر في المعاني ، وقيل إنه حقيقة حيث كان معه تجريد