المختار لأنه قراءة أهل الحرمين ولقوله تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
[ سورة غافر ، الآية : 16 ] ولما فيه من التعظيم والمالك هو المتصرّف في الأعيان المملوكة كيف شاء من الملك ،
شرح
الأنعام ، الآية : 137 ] لا يخفى على ذي تمييز أنّ قراءة الجمهور أفصح منها وأنّ بعض القراءات أشهر من الأخرى ، كالقراءة المتفرّد بها راو وغيرها المتفق عليها الباقي وكبعض القراءات الجارية على مقتضى الظاهر ، ومقابلها الجاري على خلافه لنكتة ، فعلى هذا ما المانع من أن يقال أنّ بعضها مختار لبعض العلماء أو الرواة ، ولا يلزم من كونه مختارا نقص مقابله ، والقرّاء يقولونه من غير إنكار فهذا الإمام الجعبري يقول دائما ومختاري ، كذا من غير تردّد منه . قوله :
( لأنه قراءة أهل الحرمين ) قيل عليه أنه لو سلم كون أوائلهم أعلم بالقرآن لا نسلم ذلك في عهد القرّاء المشهورين ألا ترى صحيح البخاري يقدّم على موطأ مالك ، وهو عالم المدينة على أنّ القراءات المشهورة كلها متواترة ، وبعد التواتر المفيد للقطع لا يلتفت إلى أحوال الرواة ، اللهمّ إلا أن يريد زيادة الفصاحة فإنّ لغتهم أفصح ، وقد وافقهم قرّاء البصرة ، والشأم وحمزة من الكوفيين أيضا ، ولذا قيل هم أولى الناس بأن يقرؤا القرآن غضا طريا ما أنزل وهم الأعلون فصاحة ورواية وعليه أرباب الحواشي بأسرهم ، والمصنف رحمه اللّه تبع الزمخشريّ في ذلك ، ولم يعترضوا عليه بل أوردوه مسلما ، وقال الفاضل لعلوّ رتبة القاري رواية وفصاحة .
قلت : لا يخفى أنّ أهل الحرمين قديما وحديثا أعلم بالقرآن والأحكام ، ولذا استدل بعض الفقهاء بعمل أهل المدينة ، وأمّا مجرّد فصاحتهم التي توكأ عليها ذلك القائل ، فلا يجد به نفعا لأنّ القراءة سماعية لا دخل للراوي ، والفصاحة في روايتها أصلا . قوله : ( ولقوله تعالى إلخ ) فقد وصف ذاته بأنه الملك يوم القيامة ، وهو يوم الدين والقرآن يفسر بعضه بعضا ، والآية السابقة لا تعارضه لأنها ليست نصا في المالكية كما مرّ ، وكلّ منها مقوّ لا دليل قاطع ، ولم يذكر قوله تعالىمَلِكِ النَّاسِ[ سورة الناس ، الآية : 2 ] مؤيدا كما في الكشاف لمغايرة معناها لما هنا لئلا يتكرّر مع قوله رب الناس ، وأمّا رب العالمين ، فلا تكرار فيه لأنه فسر بما يدل على صانعه ، فيختص بالدنيا وما بعده في الآخرة ، ولو فسر بالأعمّ أيضا يكون ذكر الخاص بعده اعتناء بشأنه غير مكرّر ، ولو سلم فمثله كثير وباب التأكيد مشهور . قوله : ( ولما فيه من التعظيم ) فإنّ لفظ الملك كالسلطان فيه دلالة على العظمة ، لأنّ الناس قلما يخلو أحد منهم من كونه مالكا ، ولا يكون الملك إلا أعلاهم ، فهو ما بينهم عزيز قليل ، وتصرّفه عام قويّ كما سيأتي ، فلذا أردفه المصنف رحمه اللّه ببيانه فقال : والمالك هو المتصرّف إلخ ، وفي الكشاف أنّ الملك بالضم يعمّ وبالكسر يخص فقال المدقق في الكشف لم يرد به العموم والخصوص المصطلحين لأنّ أحدهما لا يدخل في مفهوم الآخر ، فلا يفرص شاملا له ، وهذا بحسب العرف الطارئ في الملك بالكسر ، وفي التحقيق الملك بالكسر جنس للملك بالضم ، والمراد أنّ ما تحت حياطة الملك من حيث كونه ملكا والعموم والخصوص لغة يقع على مثل هذا ، وجاز أن يراد أنّ شمول سياسته فوق سياسة المالك ، والتحقيق أنّ الملك بالضم نسبة بين من