تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وإن كان زمامه بيد جاذب فما الذي سخر ذلك الجاذب حتّى يجذبه إلى فوق وساير الجوانب ، فإن كان ينتهي بالأخرة إلى خالق السماوات والأرض وجبّار الملك والملكوت ، فلم لا يحال عليه في أوّل الأمر حتّى يخلص من هذا الشرك ؟ ! فنهاية أمر الجاهل بداية حال العاقل . فقوله :
الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ
أي : تشربون أنتم وأشجاركم وزروعكم ، بل شرب الأشجار والزروع لدى الاعتبار عند اولي الأبصار هو شرب الإنسان ، فإنّ الماء يبدرق الطعام إلى ما يتغذى به النبات والحيوان ، ويسوقه من المواضع البعيدة إلى الإنسان بعد الاستحالات . وقوله :
لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً
أي : جعلناه ملحا زعاقا لا يقدر على شربه كما كان أولا في البحر ، أو أبقيناه فيه على حاله من غير أن نصعده إلى فوق ثمّ نرسله إلى مواضع الأرض .
فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ
أي : لا تعرفون قدر هذه النعمة العظيمة ، فإنّ الشكر كسائر المقامات له جزء علميّ - هو كالأصل - وجزء عملي كالفرع « 55 » فمن عرف الأصول التي منها تحصل الأطعمة وتصير صالحة لأن يتغذّى بها الإنسان يعلم أنّ تلك الأسباب لأجل سياقة العباد إلى عالم المعاد ، فيعمل بالضرورة عمل أهل الآخرة ، كما قال تعالى :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا
الآية [ 80 / 25 ] . فإنّك إذا نظرت إلى طعامك عرفت أنّه قد حصل من الماء والتراب ، وإذا نظرت إليهما عرفت أنّهما بصرافتهما لا يغذيانك ، فتحتاج إلى البذور والحبوب ، فإذا وجدت حبّة أو حبّات ، فلو أكلتها لفنيت وبقيت جائعا ، فما
هامش
( 55 ) هو فرعه - نسخة .