والأوّل باطل فتعيّن الثاني . فإذا ثبت أنه تعالى مقدّر الحياة بلا مادّة ، فهو مقدّر الموت بلا مادّة .
وقرأ أبو السماك « تمنون » بفتح التاء . يقال : أمنى النطفة ومناها . قال سبحانه :
مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى
[ 53 / 46 ] .
قال الرازي في الكبير : « 13 » وجه الاستدلال بهذه الآية أنّ المني إنّما يحصل من فضلة الهضم الرابع ، وهو كالطلّ المنبثّ في أطراف الأعضاء ، وبهذا يشترك كلّ الأعضاء ويجب غسلها بالالتذاذ الواقع لحصول الارتحال عنها كلّها ، ثمّ إنّ اللّه يسلّط قوّة الشهوة على البنية حتّى تجمع تلك الأجزاء الطليّة ، بل إنّها بحسب مادّتها الغذائيّة كانت متفرّقة في أطراف العالم ، ثمّ اللّه جمعها بقدرته في بدن الحيوان ، ثمّ في أوعية المني ، ثمّ أخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم ، فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكوّن منها هذا الشخص ، فإذا افترقت بالموت مرّة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرّة أخرى ؟
هذا كلامه . وفيه ما لا يخفى من وجوه التكلف ، حيث اعتبر مقدّمات لا دلالة عليها ولا حاجة إليها ، مع إمكان المناقشة فيها وفي استلزامها الدعوى بعد تسليمها .
قوله عزّ اسمه : [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 60 إلى 61 ]
نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 )
لمّا نبّه على أنّ فاعل صورة الإنسان ومقدّر وجوده هو اللّه سبحانه
هامش
( 13 ) في تفسير الآية ( 25 ) من سورة البقرة ج 1 / 341 بتصرفات من المصنف .