وهذا أشدّ ضرارا وأكثر فسادا وأصعب انقلاعا عن قلوب الجماهير ، مثل قول من قال من منكري المعاد : إنّ الإنسان إذا مات وتلاشت أعضائه وصارت عظامه رميما وأجزاءه ترابا فكيف يقبل الحياة تارة أخرى ؟ فإن قبلت الأجزاء الباقية نفس الحياة التي زالت عنها تلزم إعادة المعدوم ، وإن قبلت غير تلك الحياة يلزم كونها حيّة بحياة أخرى ، وحينئذ لم يبق فرق بين المعاد والمستأنف ، ولا فرق أيضا بين أن يقال « ذلك الشخص عاد حيّا » أو « حدث شخص آخر » ولتساوي نسبته إلى ساير الأشخاص لا اختصاص لواحد دون واحد في كونه هذا الشخص بعينه ، إذ لا عبرة بالأجزاء الترابيّة .
فقوله :
أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ
يحتمل أن يكون للإشارة إلى ما ذكر على قراءة من قرأ : « أو آباؤنا » بسكون الواو ، ليكون العاطفة فاصلة .
وأمّا على قراءة من قرأ بفتح الواو ليكون « 91 » واصلة ودخلت عليه همزة الاستفهام - وهم أكثر القرّاء وقرائتهم أصحّ ، ليحسن العطف على المضمر في « المبعوثون » من غير تأكيد ب « نحن » لوجود الفاصل الذي هو الهمزة - فيحتمل أن تكون الآية للإشارة إلى شبهة أخرى لهم ، وهي أنّ مقدار جرم الأرض مقدار محصور معدود بالفراسخ والأميال ، بل ممسوح بالأذرع والأشبار ، وعدد النفوس غير متناه ، فلا يفي مقدار الأرض ولا يسع لأن يحصل منه الأبدان الغير المتناهية ، ولا تكون فيها أمكنه جميع الخلائق ، السوابق منهم واللواحق لعدم تناهيهم ، إذ لا قائل بأنّ المحشور والمعاد بعض الناس دون بعض .
وهذا الوجه أربط بما ذكره تعالى في الردّ عليهم وهو قوله عزّ اسمه :
هامش
( 91 ) فيكون - نسخة .