واعلم - إن كنت من أهله - إنّ صورة جهنّم وأهلها هي بعينها من حقيقة هذه الدنيا وأهلها ، لكنّها يظهر هناك باطنها ويبطن ظاهرها . كما أنّ هاهنا طويت سرائرها ونشرت ظواهرها ، فالسموم بالحقيقة هي من نار الطبيعة الفاعلة للحرارة الشديدة في بواطن الأجسام المركّبة من العناصر ، فإنّ فعلها في تحليل الرطوبات الحاصلة في بدن النبات والحيوان وإفناء فضلاتها أقوى من فعل النار المحسوسة في الحطب اليابس ، فنار الطبيعة المستورة عن الأبصار الكامنة في هذه الأجسام هي أحقّ باسم النار من هذه النار التي هي إحدى الأسطقسات ، لأنّها تفعل في بواطن الأجسام أكثر من ظواهرها ، بخلاف هذه ، ولأنها أتمّ فعلا وأدوم تأثيرا حيث لا يصادم تأثيرها مجاورة الماء لأنها تجامعه « 83 » وتؤثّر فيه .
على أنّ هذه النار المحسوسة أيضا مبدأ ناريّتها ومنشأ إحراقها وتفريقها المختلفات طبيعة غير محسوسة ، ولها صورة أخرويّة قريبة من نار الطبيعة الكليّة في جميع الأجسام من صور غيرها من العناصر ، وهي كلّها بالقياس إلى نار النفس الأمّارة الموقدة التي تطّلع على الأفئدة كشرارة من نار عظيمة ، وهاتان الناران - أي نار الطبيعة ونار النفس الشريرة - كامنتان عن مشاهدة الخلق هاهنا ، ظاهرتان عليهم يوم القيامة .
وأمّا الحميم : فهو من حقيقة مياه هذا العالم إذا تسخّنت في الأجسام « 84 » والأبدان النباتيّة والحيوانيّة واشتدّت سخونتها بفعل الحرارة الغريزيّة الكامنة فيها ، وخصوصا إذا انضمّت إليها الحرارة الغريبة الحاصلة من التعب والمشقّة
هامش
( 83 ) تجاوره - نسخة .
( 84 ) الأجساد - نسخة .