قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ
إلى قوله :
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
[ 41 / 30 - 31 ] .
وفي الطرف الآخر قوله :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
[ 26 / 222 ] .
وكذلك قوله :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
[ 43 / 36 ] .
واعلم إنّ هذا المبدأ الداعي للنفوس إلى الخير أو الشرّ هو المسمّى عند الحكماء باسم الملكة ، وعلى لسان الشريعة باسم الملك والشيطان أحدهما الملهم للخير ، والآخر الملهم للشرّ . ولو لم يكن لتلك الملكات من البقاء والثبات ما يبقى أبد الآباد لم يكن لخلود أهل الطاعات في النعيم وأهل المعاصي في الجحيم وجه - كما أشرنا إليه - فإنّ منشأ الثواب أو العقاب على وجه الاستيجاب لو كان نفس العمل والقول - وهما زائلان - فكيف يتصوّر بقاء المعلول مع زوال السبب الموجب ؟ وكيف يكون الفعل الجسماني الواقع في زمان معين قليل المقدار باعثا للجزاء السرمدي ؟ ومثل هذه المجازاة لا يليق بالحكيم وقد قال :
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ 50 / 29 ] وقال :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
[ 2 / 225 ] .
ولكن إنّما تخلد أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النار بالثبات والدوام الحاصلين للأخلاق والملكات .