فمقتضى طبعها معرفة صور الأشياء العقلية ، من إدراك الحقّ الإله وملائكته ، وإدراك خلق العالم وافتقاره إلى خالق مدبّر حكيم موصوف بالصفات الإلهيّة ، وبها تحصل لذّته وسعادته ، كما أنّ بمقتضى طبع ساير القوى تحصل لذّتها .
ولا يخفى على ذوي البصائر إنّ في المعرفة والحكمة لذّة تفوق ساير اللذّات ، ومن لم يدرك إنّ في الحكمة لذّة وفي تركها ألما فذلك لأنّه لم تخلق بعد هذه الغريزة النورانيّة والبصيرة الباطنة في قلبه . فقد علم إنّ سعادة الجوهر العقلي من الإنسان في إدراك الحقائق العقليّة وفيها نعيمه . فنعيمه لا يوجد في السماء ولا في الأرض ولا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا في الجنّة ولا في النار . وبوجه يوجد في الجميع ، إذ لكلّ واحدة منها حقيقة عقليّة وصورة مفارقة يشاهدها العارف ويستلذّ بها في مرائي محسوساتها ومظاهر قابليّاتها محتجبة عن الأبصار ، مختفية عن أنظار الأغيار ، إلا أنّها لا ينكشف له حقّ الانكشاف ، ولا يتجلّى له كلّ التجلّي إلّا بعد الانقطاع التامّ عن الدنيا والانتزاع عن المادّة البدنيّة فيتجلّى له حينئذ تجلّيا يكون انكشاف تجلّيها بالقياس إلى ما علمه كانكشاف تجلّي المرايا « 39 » بلا حجاب بالقياس إلى أشباحها الخياليّة ، بل المعرفة الحاصلة في قلبه هي بعينها تستكمل في حقّه وتنقلب مشاهدة صريحة ، كما أنّ نفسه المدبّرة لبدنه تنقلب في الاستكمال عقلا مفارقا ، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلّا من حيث زيادة الكشف وتمام الوضوح كما في قوله :
نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا
[ 66 / 8 ] .
هامش
( 39 ) المرئيات - نسخة .