ثمّ لا يخفى إنّ لذّة كلّ علم وإدراك عقلّي ليست في درجة واحدة ، لظهور أنّ لذّة العلم بالحراثة والخياطة ليست كلذّة العلم باللّه وصفاته وملائكته وملكوت السماوات ، لأنّ زيادة اللذّة في العلم بقدر زيادة شرف وجود المعلوم ، وزيادة شرف الوجود بقدر كماله وشدته وبراءته عن النقص والإمكان والزوال والتغيّر ، فأجلّ اللذّات وأعلى السعادات هو معرفة اللّه تعالى والنظر إلى وجهه الكريم ، وإلى أسرار الأمور الإلهية وكيفية تدبيره لعالمي الملك والملكوت ، وغاية العبارة عنه أن يقال :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ 32 / 17 ] وإنّه : أعدّ لهم ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
فإذن جزاء المعرفة والحكمة هو جميع أقطار ملكوت السماوات والأرض ، وجميع صورها العقليّة ميدان العارف يتبوّء منها حيث يشاء من غير حاجة إلى أن يتحرّك إليها بشخصه ، فهو من ملاحظة جمال الملكوت في جنّة عرضها السماوات والأرض ، وكلّ عارف فله مثلها من غير أن يضيق على غيره ، إلّا أنّهم يتفاوتون في سعة منتزهاتهم « 40 » وكمال سعادتهم بقدر كثرة علومهم وقوّة نظرهم ورسوخ معرفتهم ، وهم درجات عند اللّه .
وقد وقعت الإشارة فيما مرّ أنّ أجناس العوالم والنشآت منحصرة في ثلاثة - كما إن مشاعر الإنسان ومداركه ثلاث درجات - وكلّ عالم ونشأة له مشعر خاصّ من الإنسان ، وهو أيضا بحسب كمال كلّ درجة من درجاته الثلاث يقع في عالم من العوالم الثلاثة ويكون من الصور الموجودة في ذلك العالم فعالم الدنيا ونشأة المحسوسات تختصّ بإدراك صورها الحسّيّة الحواسّ
هامش
( 40 ) مسراتهم - نسخة .