وسائر الأمور الإلهيّة على الرياسة وعلى المنكوح والمأكول - جميعا - فكذلك يكون في الآخرة قوم يؤثرون لذّة النظر إلى وجه اللّه تعالى على نعيم الجنّة « 9 » إذ يرجع نعيمها إلى المنكوح والمطعوم ، وهؤلاء بأعيانهم هم الذين حالهم في الدنيا ما وصفناه من إيثار لذّة العلم والمعرفة والاطّلاع على أسرار الربوبيّة وقالوا : « الجار ثمّ الدار » . فلا التفات لهم إلى الجنّة بل إلى ربّ الجنّة .
فكلّ من لم يعرف اللّه في الدنيا فلا ينظر إليه في الآخرة ، ولا يتجلّى اللّه له أصلا ، إذ ليس يستأنف لأحد شيء في الآخرة ما لم يستصحبه في الدنيا ، فلا يحصد إلّا ما زرع :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
[ 17 / 72 ] .
هر كه امروز نبيند أثر قدرت دوست * غالب آنست كه فرداش نبيند ديدار
فقد علم من جميع ما ذكرناه وفصّلناه في مواضع من كتبنا ورسائلنا أنّ العيش عيش الآخرة » ،
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
لأنّها دار العلم ودار الحياة العقليّة ، وأنّ منشأ إيثار الحياة الدنيا على الآخرة إنما يكون الجهل بلذّة المعارف والعمى والحرمان وكثافة الطبع وغلظة القلب وتجسّم النفس ، حتّى أنّ نفس بعض الآدمييّن بمنزلة بدن مقطوع الأعضاء الذي لا ثمرة له في الحياة ولا حاصل له في الكون ، وكلّ من انتهى حاله إلى إدراك المعرفة الإلهيّة فلا بدّ أن يلتذّ بالمعرفة ويحبّ لقاء اللّه ومشاهدة ذاته بالبصيرة العقليّة ، فيحبّ الموت ولا يكرهه البتّة ، إلّا من حيث ينتظر زيادة استكمال فيها ، لأنّ بحر المعرفة لا ساحل لها ، والإحاطة بكنه جلال اللّه وعظمته ممّا لا مطمع فيها .
هامش
( 9 ) نعيم الآخرة .