والمعرفة من الأمور الاخرويّة التي يظهر للنفس بقدر ظهور سلطان الآخرة عليها . وكما إن الدار الآخرة موجودة الآن - كما عليه المحقّقون - وظهورها يتوقّف « 7 » على رفع الحجاب بالموت ، فكذلك المعرفة وإن كانت حاصلة للعرفاء ، ولكن قدر اللذة « 8 » بها فانية في الدنيا لأجل الحجاب ، والحجاب بينك وبين اللّه هي الدنيا ، ودنياك اشتغالك وتعلّقك بعلائقك الداثرة الفانية -
« من مات فقد قامت قيامته »
- أي القيامة الصغرى .
فعلم ممّا ذكرنا أنّ حصول أصل المعرفة باللّه تعالى في الدنيا يوجب اللذة العظيمة الوافرة الدائمة عند رفع الحجاب - أي في الآخرة - .
بل التحقيق أنّ نفس المعرفة الحاصلة هاهنا بالبرهان اليقيني هي التي تستكمل بعينها في الوضوح والجلاء عند زوال الغشاء وكشف الغطاء ، وتنقلب بمشاهدة ، ولا يكون بين المعلوم في الدنيا بالعلم البرهاني والمشاهد في الآخرة [ فرق ] إلّا من حيث شدّة الوضوح وضعفه ، ولهذا قيل : « المعرفة بذر المشاهدة » .
وكما أنّ اختلاف البذر يوجب اختلاف الزروع والثمرات ، حيث يحصل من البرّ البرّ ، ومن الشعير الشعير ، فكذلك الدنيا مزرعة الآخرة . ومعارف الناس في الدنيا مختلفة ، فتكون مشاهداتهم في الآخرة مختلفة نوعا وعددا وقوّة وضعفا ، فمن لم يعرف اللّه في الدنيا فكيف يراه في الآخرة بالشهود القلبي والبصيرة العقليّة ؟
وكما أنّك ترى في الدنيا من يؤثر لذّة الرياسة على المنكوح والمطعوم وترى من يؤثر لذّة العلم لانكشاف مشكلات ملكوت السماوات والأرض
هامش
( 7 ) موقوف - نسخة .
( 8 ) لكن اللذة - نسخة .