تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
والعالم بالشطرنج على خستّه لا يطيق السكوت عن التعليم وإظهار المعرفة فيه ، كلّ ذلك لفرط لذّة العلم وما يستشعر من كونه كمالا حقيقيّا ، فإنّ العلم من أخصّ صفات الربوبية - وهو منتهى الكمال - أما ترى أنّ الإنسان كيف يرتاح إذا اثنى عليه بالذكاء وغزارة العلم ، لأنّه يستشعر عند ذلك جمال ذاته وحسن نفسه ، حسنا لازما أبديّا ، فيتعجّب بنفسه ويلتذّ بها . ثمّ ليس لذّة العلم بالمتغيّرات والعلوم الجزئيّة والصنايع - كالنحو والصرف والعروض وصنعة الحراثة والخياطة - كلذّة العلم باللّه وصفاته وملائكته « 6 » وملكوت السماوات والأرض ، لأنّ لذّة العلم بقدر شرفه ، وشرفه بقدر شرف المعلوم . وليت شعري هل في الوجود شيء أجلّ وأشرف وأعظم من الحقّ المعبود وصفاته وملائكته « 7 » وملكوت سماواته وأرضه وكتبه ورسله . وبهذا يتبيّن أنّ العلم لذيذ ، وأنّ ألذّ العلوم العلم باللّه وصفاته وأفعاله وتدبيره في مملكته ، ولهذا اعتنى بتحصيله الأنبياء والحكماء والعرفاء ، وهو الذي به يتحقّق شرفهم وكمالهم وفضيلتهم على سائر الخلق ، لا بنفس الأعمال الجزئيّة والأفعال البدنيّة ، والعلوم التي يتعلّق بإصلاح تلك الأعمال والأفعال التي وجودها بقدرتنا واختيارنا . - وبالجملة - العلم كمال الروح ، والعمل كمال البدن وكما أنّ جوهر الروح أشرف من جوهر البدن كان لذّتها وكمالها أشرف وألذّ من كمال البدن ، فالابتهاج بمعرفة اللّه - وهي أصل المعارف - أشرف من الابتهاج بالمطعم الهني والمنكح الشهيّ والملبس البهيّ والظفر بالاستيلاء على العدوّ الدنيّ الحيوانيّ .
هامش
( 6 - 7 ) ساقطة من بعض النسخ .