فإن قال قائل : لم لا يجوز أن يكون المؤثّر في خلق الحيوان وتوليد النبات شيء من طبائع الأفلاك والكواكب بحسب الأوضاع والأنوار ، لا الفاعل المختار ؟
قلنا : هذا مستحيل عند العقل ، لأنّ المني الذي يتولّد منه الحيوان والبذر الذي يتكون منه النبات جسم متشابه في نفسه وبحسب وضعه عند الفلك وقبوله لنور الكواكب ، لكونه مع سائر أجزاء الأرض والمركّبات التي فيها وعليها كنقطة واحدة بالقياس إلى الجرم الأثيري البسيط المتشابه طبعا وتأثيرا . فالجسم البسيط المتشابه إذا أثر في جسم متشابه الذات متشابه النسبة الوضعيّة والاستعداديّة تأثيرا متشابها فيستحيل أن يتولّد ويتكون منه أحوال مختلفة وأعضاء متباينة في الصورة والكيفيّة .
ألا ترى إذا وضع أحد شمعا مضيئا ، وكان ما يستضاء منه « 5 » خمسة أذرع من جانب ، وجب أن يضيء بهذا المقدار من سائر الجوانب ؟ وأمّا أن يضيء من أحد الجوانب خمسة أذرع ولا يضيء من الجانب الآخر إلا نصف ذراع - من غير حاجز ولا مانع ولا اختلاف في الجسم الذي حوله بالشفيف وعدمه واللطافة والكثافة - فهو غير معقول .
فثبت إنّ مؤثّرات الطبائع الجسمانيّة يجب أن تكون تأثيراتها متشابهة ، فلمّا رأينا أن تولّدت من بعض أجزاء النطفة العظام ، ومن بعض أجزائها أعصاب وعضلات وعروق ورباطات ، ورأينا أن تكوّنت من بعض أجزاء
هامش
( 5 ) وكان ما يضيء - نسخة .