تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
واتّصالها بالملإ الأعلى والحفظة الكرام الكاتبين فكذلك أفعال اللّه تنقسم إلى ثابتات ومتغيّرات ، مبدعات وكائنات . فعلم من هذا أنّ اللّه خلق النفس الإنسانيّة ذات اقتدار على إيجاد صور الأشياء في عالمها الخاصّ ومملكتها الغائبة عن هذا العالم بمشيّتها وإرادتها ، لأنّها من سنخ الملكوت وعالم القدرة والجبروت ، إلّا أنّ ما تخترعها وتنشأ في عالمها ما دامت تكون في هذا العالم وصحبة الأعدام والقوى والملكات يكون ضعيفة الوجود شبيهة بالأشباح والاظلال ، فإذا قويت ذاتها وقربت من مبدأها بقطع هذه العلائق الماديّة أصبحت مخترعة للصور الغيبية المناسبة لأخلاقها الحسنة أو السيّئة ، إمّا ملذّة أو مؤذية ، ولم يفارق الدنيا عن الآخرة إلّا في كمال الصورة وقوّة وجودها هناك ونقصها وضعف وجودها هاهنا . فلو كانت للنفس قدرة تامّة على تصوير الصورة الملذّة في عالم الحسّ - كمالها قدرة على تصويرها في عالم الخيال - لكان نعيمها كنعيم أهل الجنّة حيث تكون شهوتهم سبب تخيّلهم ، وتخيّلهم سبب إحساسهم فلا يخطر ببالهم شيء يميلون « 25 » إليه إلّا وبحضر عندهم دفعة . وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ في الجنّة سوقا يباع فيه الصور » « 26 » والسوق عبارة عن اللطف الإلهيّ الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور بحسب المشيّة وانطباعها ووجودها في العين وجودا ثابتا ما دامت المشيّة ، لا وجودا هو بمعرض الزوال كما في منام هذا العالم ، وهذه القدرة أكمل
هامش
( 25 ) ينالون - نسخة . ( 26 ) سنن الترمذي : صفة الجنة ، الباب 15 ج 4 ص 686 .