ضبط حركات الأفلاك وتقاويم الكواكب واستنباط الأحكام من حركاتها وأوضاعها وانتقالاتها وارتباطاتها ، وإلّا لم يكن منجّما بارعا فائقا على الأقران ، وكذا الطبيب لو لم يكن مشعوفا بعلمه مستفرغا جهده في طلبه ، ثمّ في حفظه وضبطه قوانين العلاج ومعرفة الأدوية المفردة والمركبّة على أبلغ وجه وآكده لم يكن من البارعين في فنّه ، وكذا الفقه الحاوي لفروع الفقه ، المستحضر لمسائله ، المدقّق في وجوه الاستنباطات الدقيقة وتفريع الاحتمالات البعيدة مع جلوسه في مسند الفتوى والحكومات ، لا بدّ له من استغراق القلب وصرف العمر واستيعاب الخاطر وبذل الوسع والطاقة فيه حتّى يكون فائقا على الأقران ، مشارا إليه بالأنملة والبنان ، وكذا المحدّث في استعمال أوقاته في علم الرواية « 5 » ، أعني في سماعه الحديث وجمع الطرق الكثيرة وطلب الأسانيد العالية الغريبة ، فهمّته أبدا مصروفة في أن يحصل عنده ما لم يحصل عند كثير من الناس ، ولهذا يدور في البلاد ويري الشيوخ ليقول : « أنا أروي عن فلان » ، « ولقد لقيت فلانا » « ومعي من الأسانيد العالية ما ليس مع غيري » .
وكذلك سائر العلوم والصناعات . إلّا الحكيم الإلهي والعالم الربّاني ، فإنّ موضوع علمه ومادّة صناعته هو الموجود المطلق والإله الحقّ - جلّ مجده - فتمام عمره مشغول بالحقّ وجميع هممه مصروف بالكشف عن توحيده وتقديس صفاته وأحكام أفعاله ومعرفة نعوته وأسمائه وآياته ، فلا شغل له إلّا ذكر اللّه وذكر آلائه ، وله علمان شريفان نوريّان : علم المبدأ وعلم المعاد . وله في الأوّل بابان شريفان : أحدهما أشرف وأنور من الآخر وهو العلم بوجوده ووحدانيته وتقدّس صفاته وأسمائه وسكّان جبروته من المفارقات والربوبيّات ،
هامش
( 5 ) الدراية - نسخة .