تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
فإنّ السالك في أوائل سلوكه وانزعاجه عن الخلق إلى الحقّ لا يحتمل الهمس من الحفيف ، وأمّا بعد الوصول فإمّا له استغراق في الحقّ واشتغال به عن كلّ شيء وسير فيه ووقوف مع الجمع ، فيكون أيضا محجوبا بالحق عن الخلق ، بل بالذات عن الصفات ، وإمّا سعة للجانبين وانشراح صدر للطرفين . فالانتشار في الأرض هو السياحة في أرض الحقائق وإيفاء حقوق الخلائق بالمحبّة الأفعاليّة الناشئة من محبّة الذات ومحبّة الصفات والأسماء ، فيرى ذاته تعالى في مرائي الصفات ، وصفاته في مظاهر الأسماء ، فيقول بلسان حاله ومقاله : « ما رأيت شيئا إلّا ورأيت اللّه فيه أو معه » . فيحبّ الخلائق بمحبّة خلّاقهم ، ويبتغي من فضل اللّه بطلب حظوظ التجلّيات الصفاتيّة والأسمائيّة ، ويرجع من سماء القدس إلى أرض النفس لتوفية حظوظها بالحقّ ، ويهبط من جنّة المعارف الإلهيّة إلى عالم البدن لتوفية حظوظ النفس التي هي بمنزلة زوجة العقل في جنّة الصفات
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها
[ 7 / 189 ] كما أنّ حوّا زوجة آدم في جنّة الأفعال :
يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
[ 2 / 35 ] . وكذلك الرجال البالغون لهم أن يتصرفوا في الدنيا وزينتها والشهوات النفسانيّة ولذتها عند بلوغهم بنور المعرفة والتقوى إلى مرتبة لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه بقوّة ربّانيّة وبصيرة روحانيّة ، لا بشهوة حيوانيّة ولذّة نفسانيّة . فقد علم كلّ أناس مشربهم ، ويكون لهم ذلك ممّدا في العبوديّة ومجدّا في سلوك طريق الربوبيّة كما قال تعالى :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
[ 7 / 32 ] .