فإذا تقرّر هذا عندك وعلمت بمثل هذا التقسيم فيها وفي جميع العبادات ، واتّضح أيضا لك وتأكّد عندك حسبما قدّمناه إليك أنّ الصلاة منقسمة إلى رياضيّ جسماني وإلى حقيقي روحاني ، فأعلم إنّ نفوس الإنسان متفاوقة بحسب آثار القوى والأرواح والدواعي المركبة فيها ، فمن غلب عليه الروح الطبيعي والحيواني فإنّه عاشق البدن ، يحبّ نظامه وتزيينه وأكله وشربه ولبسه وطالب لجذب منفعته ودفع مضرّته . وهذا الطالب من عداد الحيوانات وفي زمرة البهائم ، فأيّامه مستغرقة باهتمام بدنه وأوقات عمره موقوفة على مصالح جثّته وشخصيّته ، فهو غافل عن الحقّ ، جاهل بأمره ، فلا يجوز له التهاون بهذا الأمر الشرعي اللازم الواجب ، وإن قعد عنه فبالسياسات والزواجر يكره عليه ويجبر حتّى لا يفوت عنه بالكليّة حقّ التضرّع والاشتياق إلى اللّه تعالى ، ليفيض عليه بجوده وينجيه من عذاب وجوده ، ويخلصه من آمال بدنه ويوصله إلى منتهى أمله ، فإنه لو انقطع عنه قليل خير لتسارع إليه كثير شرّ ، ولكان أدنى درجة من البهائم وأضلّ سبيلا من الأنعام .
ومن غلب عليه قواه الروحانيّة وتسلّط على هواه قوّته الناطقة وتجرّدت عن محبّة الدنيا وعلائق العالم الأدنى ، فهذا الأمر الحقيقي والتعبّد الروحاني وذكر اللّه بالقلب ومناجاته وقرباته واجب عليه أشدّ وجوبا وأقوى إلزاما ، كما قيل « الحكمة أشدّ تحكّما على باطن العاقل من السيف على ظاهر الأحمق » .
لأنّه استعدّ بطهارة نفسه وشرافة عقله ليفيض عليه ربّه ، فلو أقبل عليه بمشقّة واجتهد في تعبّده لتسارع إليه جميع الخيرات العلويّة والسعادات الاخرويّة ، حتّى إذا انفصل عن جسمه وفارق الدنيا يدخل عليه الملائكة من كلّ باب ويشاهد مفيضه وموجده ومكمله ربّ الأرباب ويجاور حضرته ويلتذّ
تفسير القرآن الكريم — صفحة 242
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٤٢