تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وأعني بالإخلاص أن يعبد اللّه بلا مشاركة أحد ، وأن يعلم ذاته وصفاته بوجه لا يبقى للكثرة فيه مشرعا وللإضافة مترعا 28 ، ومن فعل هذا فقد أخلص وصلّى ، وما ضلّ وما غوى ، ومن لم يفعل هكذا فقد افترى وعصى واللّه تعالى أجلّ من ذلك وأعلى . ثمّ إنّك لمّا قرع سمعك مرارا أنّ موجودات العالم الطبيعي والنشأة الدنيويّة مثنويّة ، وحقيقة الإنسان من جملتها لها ظاهر جلي وباطن خفيّ ، ولها صورة مشهورة وحقيقة مستورة ، فهو منقسم إلى ظاهر متغيّر وباطن ثابت هو قلبه وسرّه ، فالصلاة التي هي أشرف أعماله منقسمة إلى ظاهر خلقي - وهو الرياضي المتعلّق بالظاهر - وباطن أمري - وهو الحقيقي الملتزم به الباطن - . والأوّل يجري مجرى السياسات للأبدان والرياضات للقوى والأدوات الصوريّة ، به ينوط نظام الجمعيّة التمدنيّة وقوام الشريعة المصلحيّة لإصلاح الخلق بحسب حالهم على وجه يؤدي إلى كمالهم وإصلاح بالهم لسلامة مآلهم ، وكلتاهما واجبتان عقلا وشرعا . فالأولى كلّف به الشارع بالغا عاقلا ليتشبّه بدنه بما يختصّ به روحه من التضرّع والخشوع إلى الجنبة العالية ليفارق البهائم بهذه الهيئة الشرعيّة ، فإنّ البهائم متروكة عن الخطاب مسلمة عن العذاب « 31 » فأمّا الإنسان فإنّه مخاطب ومحاسب ، مثاب ومعاقب ، إذ يجب عليه امتثال الأوامر الشرعيّة والعقليّة والاجتناب عن المناهي الشرعيّة والعقليّة . فلمّا رأى الشارع الحكيم أنّ العقل المنوّر بنور معرفة اللّه أكرم عند اللّه ألزم النفس بالصلاة الحقيقيّة
هامش
( 31 ) الحساب - نسخة .