درجة العرفان ، فلا جرم سوّى لهم رياضة بدنيّة وسياسة تكليفيّة تخالف أهوائهم الطبيعيّة ، وحافظ لهم الصورة الإنسانيّة ، وراعى فيهم حكاية النسك العقليّة . فمهّد لهم قاعدة في الأذكار والأوراد ، وألزمهم ترك النسيان بتكرير الأعداد ، وهي [ في الوجوب ] « 25 » أعمّ وفي الحسّ أعظم ، لترتبط بظواهر الإنسان ويمنعهم عن التشبّه بسائر أفراد الحيوان .
وأقر بهذا الهيكل الظاهر على كلّ بالغ عاقل
فقال [ صلّى اللّه عليه وآله ] : « صلّوا كما رأيتموني اصلّي »
« 26 » ولو قال : « صلّوا كصلاتي » فمن الذي صلّى مثل صلاته ؟ لأنّه كان يصلّي وبصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء ، وكان في صلاته يرى من خلفه .
فقد ظهر إنّ في صلاة القالب مصلحة كثيرة لا يخفى على اللبيب العاقل ، ولا يقرّ به لسان الجاهل العاذل .
وهذا المعنى من الصلاة قد كانت واجبة على الأمم السابقة على أعداد أكثر من أعداد صلواتنا لعموم جدواها ، وكانوا مكلّفين بأعمال جسمانيّة كثيرة المشقّة لغلبة الجسمانيّة عليهم وقلّة آثار الملكوتيّين فيهم ، وشريعتنا المحمديّة - على الصادع بها وآله أفضل الصلاة والتحيّة - أقلّ تكلّفا وأكثر فائدة لصفاء القوابل ولطافة القلوب ورقّة الحجاب في امّته صلّى اللّه عليه وآله ، ولذلك
قال صلّى اللّه عليه وآله : « بعثت بالشريعة السهلة السمحاء » « 27 » .
هامش
( 25 ) الإضافة من ج 1 ص 277 .
( 26 ) البخاري : باب ما جاء في إجازة خبر الواحد . . ج 9 ص 107 .
( 27 )
في المسند ج 5 ص 266 : « بعثت بالحنيفية السمحة » .