وظاهر أنّ النفس ما لم تمت عن نشأتها النفسانيّة لم تتّحد بالعقل الفعّال المنور لما في الدار الآخرة من الصور والمهيّات ، فهذا الفناء الذي استحقّ به الروح الإنساني الإحياء الاخرويّ بنور اللّه إنّما استفاده بسبب النفس الحيوانيّة التي هي ذائقة الموت وقابلة الفناء ، فافهم واغتنم فإنّه عزيز الجدوى .
الإشراق الثامن [ ظهور صور الأعمال والملكات في الآخرة ]
إنّ قوله تعالى :
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
إشارة إلى ظهور صورة الأعمال والأخلاق يوم القيامة ، فإنّ الناس يحشرون يوم القيامة على صور نيّاتهم وهيئات ضمائرهم وأشكال أخلاقهم وصفاتهم الحاصلة من تكرّر الأفاعيل والمعاملات المؤثرة في القلوب إنارة وإظلاما ، فإنّ الأعمال هاهنا بمنزلة الحراثة والزراعة وطرح البذور في أراضي القلوب ، والنيّات والإعتقادات المستورة فيها بمنزلة البذور ، ومدّة الكون في الدنيا كمّدة الشتاء التي يحتجب الأرض فيها عن الشمس عن سمت رؤس أهلها ، فإذا ارتفع النهار واشتدّ حرارة الشمس وقت الربيع يظهر ما كمن في باطن الأرض من البذور ، ويحصل الأزهار والأثمار ، وانكشف ما ستر في بواطن الأشجار من الأنواع المختلفة والألوان المتضادّة ، فيكون كلّ ثمرة مناسبا لحبّه وبذره ، ويكون فيها بعضها حلوا وبعضها مرّا وبعضها حامضا ، وبعضها ترياقا نافعا ، وبعضها سمّا ناقعا .
فهكذا يكون الحال يوم قيام الساعة وطلوع شمس الحقيقة من مغربها ، وعند ذلك يكون حشر الحقائق :
وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
[ 18 / 47 ] وبروزها للحقّ تعالى :
وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ 14 / 48 ]