لا احصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك « 11 » .
وهو إنّه لمّا قيل له :
اسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
[ 96 / 19 ] فوجد القرب في سجوده ، فنظر إلى الأفعال فاستعاذ من بعضها ببعض ، ثمّ زاد في قربه فنظر إلى الصفات فاستعاذ من بعضها ببعض فإنّ الرضا والسخط صفتان ، ثمّ زاد في قربه واندرج القرب الأوّل فيه ، فترقى إلى الذات وقال : أعوذ بك منك .
ثم زاد في قربه واستحيى عن الاستعاذة على بساط القرب فالتجى إلى الثناء فأثنى بقوله : لا احصي ثناء عليك ، ثمّ علم أنّ ذلك قصور فقال : أنت كما أثنيت على نفسك .
فهذه وأمثالها خواطر تفتح لأرباب المعاني وأصحاب القلوب ، ثمّ لها أغوار وأسرار وراء هذا المعنى ، وهو معنى فهم القرب واختصاصه بالسجود ، ومعنى الاستعاذة من فعل إلى فعل ومن صفة إلى صفة ومنه به .
وأسرار ذلك كثيرة ولا يدلّ ظاهر تفسير اللفظ عليها ، ومع ذلك فليس مناقض لظاهر التفسير ، بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه عن قشره فإنّ للقرآن حقيقة كالإنسان ، وله قشران ولبّان كالجوز ، ولكلّ منها مراتب كثيرة حسب تعدّد النشآت ، وكما أنّ الإنسان الحسّي صنم لسائر مراتبه واقع في أوّل درجات الإنسانيّة ومراتبه ومعارجه ، وأعلى منه الإنسان المثالي ، ثمّ الإنسان النفسي ، ثمّ العقلي كالحكماء ، ثمّ الإلهي كالمتألهين من العرفاء والأولياء :
- فهكذا يجب أن يعلم مراتب فهم القرآن 17 فكلّ أحد لا يفهم إلّا بما يتحقّق
هامش
( 11 )
مسلم : كتاب الصلاة ( ما يقال في الركوع والسجود ) ج 4 ص 203 : أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ . . . وجاء مثله في أبي داود : كتاب الصلاة ( باب الدعاء في الركوع والسجود ) ج 1 ص 232 .