الإشراق الخامس [ فهم القرآن ]
كلّ من اكتفي بظاهر العربيّة وبادر إلى تفسير القرآن بمجرّد نقل الكتب وحمل الأسفار من دون الارتقاء إلى عالم الأنوار وفقه الأسرار ونقاء السريرة عن أغراض هذه الدار وخلاص القلب عن غشاوة هذه الآثار فهو حري بهذا التمثيل ، فإنّ الاطلّاع على ظاهر العربيّة وحفظ النقل عن أئمّة التفسير في ترجمة الألفاظ لا يكفي في فهم حقائق المعاني ، ومن أراد أن ينكشف له أنّ هذه المرتبة ليست من مرتبة إدراك المعاني القرآنيّة ، والاطّلاع على حقائقها فليتأملّ في مسألة واحدة منها وعجز المفسّرين عن دركها ، ليقيس عليها غيرها ، وهو أنّ اللّه تعالى قال :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ 8 / 17 ] .
وظاهر تفسيره واضح جلي ، وحقيقة معناه في غاية الغموض ، فإنّه إثبات للرمي ونفي له ، وهما متضادّان في الظاهر ما لم يفهم أنّه رمى من وجه ، ولم يرم من وجه ، ومن الوجه الذي لم يرم رماه اللّه تعالى . ثمّ يفهم 15 إنّه ما جهة الوحدة والهوهويّة ، وما جهة الغيريّة والكثرة .
وكذلك قال تعالى :
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
[ 9 / 14 ] فإذا كانوا هم القاتلين كيف يكون اللّه هو المعذّب ، وإن كان اللّه هو المعذّب بتحريكهم فما معنى أمرهم 16 بالقتال ؟
فالتحقيق في مثل هذا المقام يحتاج إلى العلوم المتعالية عن علوم المعاملات ، ولا يغني عنه علوم العربيّة وتفسير الألفاظ ، ولعلّ العمر لو اتّفق في