استكشاف أسرار هذا المعنى وما يرتبط بمقدّماته ولواحقه لانقطع العمر قبل الوصول إلى الإحاطة بجميع لواحقه ، والقرآن مشحون بأمثاله ، بل ما من كلمة من القرآن إلّا وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك .
وإنّما ينكشف للعلماء الراسخين في العلم من أسراره وأنواره بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم وتوفّر دواعيهم على التدبّر وتجرّد هم للطلب ، ويكون لكلّ واحد حدّ في الترقّي إلى درجة منه ، فأمّا الاستيفاء التامّ فلا مطمع لأحد فيه ، ولو كان البحر مدادا والأشجار أقلاما والخلائق كتّابا لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات اللّه ، فأسرار كلماته وأنوار آياته ممّا لا نهاية لها ولا بداية ، فمن هذا الوجه يتفاضل الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير .
فقس على هذا المثال جميع ما ورد في الكتاب والسنّة ، ولا تغتر بما سمعته أو تلقّفته من معلّميك في أوان الجاهليّة وزمان الاحتجاب ، فإنّها كلّها تماثيل وأشباح للحقائق - إن لم يكن أغلاطا فاسدة - وإنّها قوالب وصور بلا معنى إن لم يكن أوهاما باطلة ، وظواهر أعمال بلا فائدة تبقى ، وخيال أشخاص من غير صورة بها تحيى ، ومثال أشجار بلا ثمرة تجنى ، وحبال وعصيّ يخيّل من سحرهم أنّها حيّة تسعى -
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
[ 18 / 104 ] .
ومن الأمثلة أيضا في فهم الأسرار والأنوار المودعة في ألفاظ القرآن والحديث ما ذكره بعض أصحاب القلوب في معنى
قوله صلّى اللّه عليه وآله في سجوده : أعوذ بعفوك من عقابك ، وأعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بك منك ،