والدليل على ما ادّعيناه من كون المؤمن الحقيقي هو العارف الرّباني والحكيم الإلهيّ ممّا يستفاد من هذه الآيات على أتّم وجه وأوضحه ، فإنّ ما ذكره تعالى في علّة البعثة وغاية الرسالة من قوله :
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
يدلّ دلالة واضحة على أنّ نتيجة البعثة دعوة الخلق إلى والحكمة ، وأنّ الايمان باللّه والرسول عبارة عن تعلّم الكتاب والحكمة بالحقيقة لا بالمجاز ، وإلّا لكان الايمان إيمانا بالمجاز ، فيكون المؤمن المجازي مسلوبا عنه الايمان الحقيقي - كما هو قاعدة إطلاق اللفظ على سبيل المجاز .
فثبت أنّ الايمان الذي يكون فائدة البعثة وثمرة إنزال القرآن عبارة عن صيرورة كون العبد المسلم حكيما عارفا بحقائق ما في الكتاب - لا بمجرّد حفظ الألفاظ وتكرارها ، ولا بمجرّد تفسير العربية ونكاتها البديعية - فإن معرفة ألفاظ العرب ودقائق علم البيان ليس من مقصود علم القرآن في شيء ، بل المقصود سياقة الخلق إلى جوار اللّه بالعلم بحقائق الأشياء والتجرد عن علائق الدنيا ، وهي لا تحصل بمجرد الاطلاع على علم العربيّة ولا الكلام ، والقرآن إنّما نزل بلغة العرب ليكون أوضح دلالة وأفصح بيانا ، إذ لا يكون في دقّة الألفاظ وغرابة أبنية الكلام فائدة يعتدّ بها كما دلّت عليه آيات كثيرة مثل قوله تعالى :
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
[ 3 / 43 ] وقوله :
وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
[ 16 / 103 ] .