والأيمان في المرتبة الأولى 7 غيبي وفي الثانية عينيّ ، وفي الثالثة عيانّي .
وهذا كما كان حال النبي صلّى اللّه عليه وآله ليلة المعراج ، فلمّا بلغ السدرة كان بعد في حيّز الأين ، فلمّا جذبته العناية من الأين إلى العين
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
وهو المشار إليه بقوله تعالى :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
[ 2 / 285 ] - أي : من صفات ربه وأفعاله - فآمنت ذاته بذاته ، وصفاته بصفاته ، وأفعاله بأفعاله . فصار كلّ وجوده 8 مؤمنا باللّه ايمانا عيانيّا .
وفي هذا المقام أسرار عظيمة لا يحتمله العقول المجرّدة ، فضلا عن العقول الملابسة المغشّاة بغشاوة الوهم والخيال ، ويشمئزّ عنه طبائع أهل التقليد والجدال .
اللهمّ لا تجعل هذه الكلمات مضلّة الجهّال والأرذال ، واجعلها سببا لزيادة بصيرة أهل الكمال ، وموجبة لإنارة قلوب الرجال ، الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه العزيز المتعال .
إشراق [ ما يختص بالقرآن من بيان مراتب الايمان ]
إنّك إذا علمت ما ذكرناه من اشتمال القرآن على هذه المراتب الثلاث من الايمان ، وعلمت اشتراك سائر الكتب السماويّة معه في المرتبتين الأوليين واختصاصه بالمرتبة الأخيرة ، فقد أحطت علما بأنّ إنزال القرآن بما فيه إكمال للدين وإتمام لنعمة اللّه على المؤمنين ، وتحقّقت بمعنى قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
الآية [ 5 / 3 ] أي : جعلت الكماليّة في الدين من الأزل نصيبا لكم من جميع أهل الملل والأديان ، وأتممت