وفيه عظائم أخلاق اللّه يتخلّق « 15 » به خاتم الأنبياء - عليه وعليهم السلام - لقوله :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ 68 / 4 ] .
فإذا تقرّر هذه المقدّمات وتبيّنت فنقول في كيفيّة تنزيل الكلام وإنزال الكتب : إنّ الروح الإنسانيّة كمرآة مجلوّة إذا صقلت بصقالة العقل النظري وزالت عنها غشاوة الطبيعة ورين المعصية فحينئذ لاح لها نور المعرفة والايمان ، وهو المسمّى عند أئمّة الحكمة بالعقل بالفعل ، وبهذا النور يتراءى فيها حقائق الملكوت وخفايا الجبروت ، كما يتراءى الأشباح المثاليّة في المرايا العقليّة إذا لم تفسد صقالتها بطبع ورين ، لقوله
وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ
[ 9 / 87 ]
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
[ 83 / 14 ] .
فإذا أعرضت عن البدن والاشتغال بما تحتها من الشهوة والغضب والحسّ والتخيّل وتوجّهت وولّت بوجهها تلقاء عالم الملكوت الأعلى اتّصلت بالسعادة القصوى ورأت عجائب الملكوت والآيات ، كما في قوله :
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى
[ 53 / 18 ] .
ثمّ إنّ هذه الروح إذا كانت قدسيّة شديدة القوى ، قويّة الإنارة لما تحتها ، لا تشغلها جهة فوقها عن جهة تحتها ، فتفي للجانبين وتضبط للطرفين ، لا يستغرقها لغاية قوّتها وشدّة تمكنها حسّها الباطن عن حسّها الظاهر وليست كالأرواح العاميّة الضعيفة إذا مالت إلى الجانب الباطن غابت عن الجانب الظاهر ، وإذا رجعت إلى مطالعة الظاهر غابت عن مطالعة الباطن ، وإذا حضرت في شهود نشأة احتجبت عن النشأة الأخرى ، بل إذا
هامش
( 15 ) ان يتخلق - نسخة .