وثانيها : هو القدري بمعنى كون أفعال العباد مثل سائر المخلوقات واقعة بقدرته تعالى وبقضائه وقدره ، وكل قدرة وإرادة واختيار غير قدرته واختياره تعالى - وان كانت وقعت في البين ورابطة بين الفعل وأصل مصدره الذي هو منتهى سلسلة الحاجات وهو قدرته سبحانه ، لكنها كلها غير مؤثرة الا بقدرته متفرعة عنها لا أثر لها بحسب أنفسها ، بل بقدرته جل وعلا ، فهو المؤثر حقيقة وبالذات .
فالقدرى بهذا المعنى يضاد القدري بالمعنى الأول ويقابله تقابل التوحيد للشرك وفيه . . . فلا تغفل .
شرح
( 164 ) ص 262 س 10 أما القدري - اعلم أن في المقام مذاهب ومشارب أربعة :
أولا : الافراط في التشبيه ، وهو القدري التفويضي والمجوسي الثنوى .
ثم الافراط في التنزيه الراجع من حيث لا يشعر قائله إلى الافراط في التشبيه وهو الجبري الأشعري الغير الشاعر بفساد أمره - وهما أشنع المذاهب الباطلة وأكدر المشارب الكدرة المنكرة .
ثم مشرب القدري الناظر إلى القدرة القديمة والقاطع نظره عن الوسائط والأسباب القريبة ، وان كان قابلا بسببيتها ووساطتها عند عرضها عليه ولكن غير ملتفت إليها بل يقصر نظره إلى العلة الأصلية القديمة ، وهو ذو العين اليمنى وعمى عينه اليسرى كأنه لا يرى بها أصلا .
ثم الناظر إلى الأصل القديم في مقام التوحيد بإسقاط الإضافات ومحو الانيّات والتعينات التي هي أنحاء تجليات الذات القديمة وشؤونه الذاتية التي يبديها ، وليست بشؤون يبتديها وهو التنزيه الذي طوى فيه بساط التشبيه طرا ، فصاحب هذا المقام من التوحيد الحق هو المستغرق في شهود الجلال لم يتحقق بعد له مرتبة الجمع بين المحو الجلالي والصحو الجمالي حتى يرى التنزيه في عين التشبيه وبالعكس ، ويرى التوحيد في عين التكثير ، والتكثير في عين التوحيد .
وهذا . . . الذي ينظر اليه . قوله تعالى :أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ- السورة [ 94 / 1 ] .