هو هذا الشخص بعينه ، وهذا الوجه بعينه ، وهذه اليد بعينها ، وهذه الأعضاء بشخصياتها وتحقيق هذا المعنى يحتاج إلى بسط عظيم خارج عن طور التفسير وان لم يمكن فهم بعض الآيات التي في بيان الحشر بدونه ، وقد بسطنا القول فيه في كتبنا ، وسنذكر لمعة من أسرار المعاد في أواخر هذه السورة ، فليراجع اليه من أراد ذلك .
فالأولى أن يحمل الآية على أنها لدفع شبهة أخرى لهم في نفي المعاد ، هي ان استيناف الحياة في البدن يحتاج إلى استعداد سابق وقبول مادة مستعدة حاصلة بالتوالد والازدواج الحاصل من الأبوين ، ثم حركة في الانفعال وتدرج في كمال بعد كمال ، حتى يحصل الولد ويحيي المني المستعد ، وهذه الأسباب مفقودة بعد هلاك الكل ، فكيف يوجد الخلائق الكثيرة العظيمة ويحيي عظامها البالية الرميمة دفعة من غير تعاقب وتوالد وتدرج في الاستكمال ، وحصول أسباب وانفعالات وسبق استعدادات الكمال بعد كمال ؟ .
فاللّه سبحانه أزاح هذه الشبهة وأماط هذه الريبة بأن إنشاء الموجودات في النشأة الثانية انما يكون بمجرد جهات فاعلية وأسباب علوية الهيّة لا بحركات وانفعالات قابلية وأسباب هيوليّة ، كما أن إنشاء الخلائق ابتداء لم يكن الا بمجرد جود اللّه وابداعه الأسباب الفاعلية ، حتى تنزلت بتأثيراتها وانشاآتها إلى آخر الموجودات النازلة السفلية من غير سبق وسيلة وتقدمة استحقاق لقوله :
كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
[ 7 / 29 ] وقوله :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ
[ 56 / 62 ] .
فمثل اللّه تعالى لهذا المعنى بمثال إنشاء النبات والأشجار ، واحياء الأرض بها كل سنة بعد يبسها وموتها بالأسباب العالية والأوضاع السماويّة والقوى الفعالة ، من قوّة حرارة الشمس بارتفاعها واستيناف تأثيرها بحرّها وشعاعها