للهداية ، لان صفة النبوة والولاية أمر باطني ونور عقلي يحصل من اللّه تعالى ويقذف منه في قلب من يشاء من عباده وأوليائه ، وإذا تنور الباطن بذلك النور خرج عمّا كان عليه وانقلب نفسه عقلا مستفادا ، وناره نورا مضيئا في المعاد .
وفي القرآن آيات كثيرة وإشارات بليغة وتلميحات لطيفة دالة على أن أرواح المؤمنين مخالفة في الحقيقة لنفوس الكفرة والمنافقين ، وعلى أن أرواح الأنبياء جواهرها مخالفة لأرواح غيرهم وأن روح خاتم الأنبياء - عليه وآله الصلاة والسلام من الملك الأعلى - فوق الجميع .
ولا يتوهمن أن قوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[ 18 / 110 ] ينافي ما ادعيناه من مخالفة حقيقة الرسول صلى اللّه عليه وآله لعامة الناس ، لما دريت أن الاشتراك والمماثلة بحسب البشرية التي هي متّفقة المعنى بين الناس ، والمخالفة بحسب الباطن ومقام العندية ، وعلى هذين المقامين يتوزع كل ما ورد في الاتفاق والاختلاف له مع عامة العباد .
فكل ما كان من قبيل قوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
[ 18 / 110 ] كان المراد به الإشارة إلى مقام البشرية والنزول في هذه الدار ، وكذلك قوله تعالى :
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ
[ 6 / 50 ]
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ
[ 7 / 188 ] وقوله :
قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
[ 17 / 93 ] وقوله :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ
[ 62 / 2 ] وقوله :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ 9 / 128 ]
وقوله صلى اللّه عليه وآله : « اني ابن امرأة كانت تأكل القديد » « 1 » .
وكل ما كان من قبيل قوله :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
[ 4 / 80 ]
هامش
( 1 ) ابن ماجة : كتاب الأطعمة ، باب القديد 2 / 1101 .