الإشارة الثانية
الاشعار إلى تقديس ذاته وتنزيه صفاته عن أن يكون افتقار الممكن اليه في الحدوث فقط من جهته لا في البقاء ، كما ذهب اليه أيضا أوهام هؤلاء القاصرين من المتكلمين ، لما رأوا ان الابن يبقى بعد الأب ، والبناء يبقى بعد البنّاء ، والسخونة يبقى بعد النار ، ولم يتفطنوا أن هذه الأمور ليست عللا بالحقيقة ، فوقعوا في الغلط بسبب « أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات » .
وقد برهن في الحكمة الحقّة على أن جسما من الأجسام - ولا أحد جزئيه - لا يكون علة لجسم آخر ولا لاحد جزئيه ، وعلى أن علة كل جسم لا يكون الا ما هو بريء عن مخالطة الأجسام والمواد .
وأما مثل البنّاء فحركته علة لحركة لبن ما ، ثم سكونه علة لسكونه ، وانتهاء تلك الحركة علة لاجتماع مادة ، وذلك الاجتماع علّة لشكل ما ، ثم انحفاظ ذلك فلما تقتضيه طبيعة الأرضية التي في اللبنات ، وهي مما أفادها اللّه بقوّته التي تمسك السماء والأرض أن تزولا ، ومن أسمائه تعالى « الحافظ » و « القابض » .
وكذلك النار علة لتسخين عنصر ما ، لا أن تفيد السخونة ، بل أن تبطل البرودة التي كانت مانعة من حصول السخونة في الماء من جهة واهب الصور وأما حدوث السخونة واستحالة الماء إلى النار فبالجاعل المفيد الذي يكسو العناصر صورها ، وقد عرفت أنها لا يصح أن يكون جسما أو جسمانيا ، وأما الأسباب السابقة فهي معدّات ومغيّرات وعلل بالعرض .
وقد ثبت وتقرر ان العلة تجب أن تكون متقدمة على المعلول بالذات لا بالزمان ، فكيف تكون نار علة لوجود نار أخرى ، ولا نار أحق أن تكون علة