البلقع الخراب ، الخالي عن الاعتدال والاستعداد ، الواقع في مهوى الزوال والفساد ، الا بعد حركات فلكية ، واستحالات مادية ، وانفعالات هيولوية ، وهو ينافي حدوث الأبدان عند القيامة دفعة واحدة ، ويلزم أيضا من عودها إلى البدن ما يلزم القول بالتناسخ ، فأشار سبحانه إلى حل هذه العقدة ودفع هذه الشبهة بأن إنشاء البدن الأخروي ليس من قبيل الأسباب الأرضية والجهات الانفعالية المادية ، ومن طريق الاستكمالات العنصرية والانقلابات الهيولوية ، بل جميع الأبدان والصور والاشكال الأخروية والأكوان الثانوية انما نشأت من العالم الأعلى دفعة واحدة بحسب إرادة اللّه التي تنبعث منها عالم الامر ، فيحدث منها الأكوان والأبدان المكتسبة ، لكل نفس بحسب ما يناسبها من أخلاقها وصفاتها . 54 وتعلق النفس بالبدن الأخروي ليس كتعلقها بالبدن الدنيوي ، ومن عادة اللّه سبحانه أن يعبر عن اختراعه لشيء بلا توسط مادة جسمانية ب « الامر » و « القول » ففي هذه الآية اشعار بأن نشو الآخرة وعالم المعاد ليس من لواحق المواد وعوارض استعداد الأجساد ، بل تكونها من عالم الامر بحسب إرادة اللّه المبدع الجواد بلا توسط الأمزجة الحاصلة بالامتزاج والاعتدال ، المتوسط بين أطراف التضاد ، الموجب للمشابهة بالسبع الشداد ، الخالية بالكلية عن الكيفيات المحسوسة القابلة للاشتداد الموجبة للتفاسد والإفساد .
والنفس في هذا العالم تنشأ من البدن كنشو الشعلة من الفتيلة بتوسط روح هي كالدخان ، وفي الآخرة ينشأ البدن من النفس بحسب النيات والاعتقادات فبين الوجودين تعاكس في النشأتين .
وفي قوله :
« كُنْ فَيَكُونُ »
اعلام بأن الفاعل الحقيقي لا يجوز عليه مما يجوز على الفاعل الطبيعي إذا فعل شيئا مما يقدر عليه من المباشرة لمواد الفعل ومحال