وقد ثبت أيضا في العلوم النظرية ان كل حكم ثبت لبعض أفراد حقيقة واحدة فقد أمكن ثبوته لسائر الافراد البتة .
فلهذه المضاهاة والمماثلة الثابتة بين مجموع السماوات والأرض وبين الإنسان ، جعل إيجاد أحدهما دليلا على إمكان إيجاد الاخر ، وإذا كان الفرد الذي ثبت كونه مخلوقا له تعالى إنسانا كبيرا أكبر من سائر الافراد ، فيثبت بالطريق الأولى كون الافراد الصغيرة مما يمكن أن تكون مخلوقة له ، وكونه قادرا عليها .
فالضمير في « مثلهم » راجع إلى الإنسان ، ولفظ « المثل » إشارة إلى كل ما هو مماثل له في الحقيقة النوعية - أعم من أن يكون المراد منه هذه الافراد التي تحقق وجودها أولا في الدنيا أو غيرها مطلقا حتى يثبت صحة الإعادة في هذه الافراد على طريق الانسحاب الكلي والشمول العمومي ، كيف وقد صدق على كل فرد من الناس انه مثل للإنسان المطلق ، كما أنه ثبت انه عين له ، لكونه نوعا منتشرا غير محصور في واحد ، على أن كل شيء يصدق عليه انه مثل نفسه وكذا مثل مثله بحسب جواز التغاير الاعتباري بين الشيء ونفسه .
ثم من المحتمل الجائز أن يكون ضمير الجمع راجعا إلى مجموع السماوات والأرض بحسب التغليب لذوي العقول - أعنى السماوات - على غيرهم - أعني الأرض - لما ثبت برهانا وكشفا وقرآنا وسمعا أن السماوات أحياء ناطقون وعلماء عارفون باللّه ، عابدون له ، خاضعون لعظمته ، سالكون في سبيله ، واجدون أنوار لطفه ، نائلون أشعة رحمته ، منتظرون لأمره فإذا كان ضمير الجمع لمجموع السماوات والأرض ، وكان الإنسان مماثلا للمجموع من حيث هو مجموع كما مر من كونه عالما صغيرا وكون المجموع إنسانا كبيرا .
فإذا تحقق كونه تعالى قادرا على خلق العالم الكبير والإنسان الكبير فقد
تفسير القرآن الكريم — صفحة 368
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٦٨