تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
الخالق ، وإلا لزم أن يكون تكوين الجمادات العظيمة المقادير أفضل وأصعب من تكوين الإنسان ، واللازم بديهي البطلان لوجود بدائع الفطرة وشواهد الحكمة في خلقته أكثر من أن تحصى . بل كمال قدرة القادر وعظمة الصانع انما يكون بفضيلة الوجود في المقدور وفضيلة الوجود انما يظهر بكثرة ترتب الآثار الحسنة ، ووفور الخيرات اللازمة وبدائع المنافع الدائمة ، وفضيلة السماويات على العنصريات ليست بعظمة الجثة وزيادة المقدار ، بل بفضيلة الوجود وكثرة الآثار والأنوار ، وبقوام الصنعة ودوام الخلقة ، ووثاقة الجوهر وثبات الوجود ، وخلوص الصورة عن الآفة والكدورة عن طريان الضد والمفسد للذات والصفة . واما قوله تعالى :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
[ 40 / 57 ] فليس فيه دلالة على عظمة الخلق وفضيلة الإيجاد ، لما ذكرنا من دوام ( قوام - ن ) صورتها وشرافة طبائعها ، لا لكبر جرمها وعظم مقدارها فقط ، كما يدل عليه قوله : ولكن أكثر الناس لا يعلمون . واما الثاني فلان مبناه على أن الشخص من الإنسان في النشأة الثانية غير هذا الشخص الذي كان في الدنيا ، وهذا مما يوجب مفاسد شتى ، مثل أن يكون المثاب أو المعاقب في الآخرة غير الذي فعل الطاعات أو المعاصي في الدنيا وهذا هو الظلم بعينه وغير ذلك من المفاسد ، وهو في الحقيقة نفي للمعاد لا اثبات له . اللهم الا أن يعتذر عن الأول بان الكلام مع العوام الذين درجتهم درجة البهائم والانعام ، لا يعرفون كمال القدرة الا في خلق الأجسام العظيمة المقدار ، لعدم اهتدائهم بوجوه المصالح والمنافع التي تكون في خلق الإنسان ومن عادة القرآن إيراد المقدمات المقبولة للطبائع الجمهورية مع اشتمالها على
تفسير القرآن الكريم — صفحة 366 | محمد خواجوى / صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )