سببه أخذ يتعجب من حدوث الآثار الغريبة عن بعض الأشياء ، لكونها غير معهودة الحصول عنده عن هذه الأشياء - كما في هذه المسألة - فان المعهود عنده حصول الإنسان من مادة منويّة حاصلة من فضول رطوبات الأبوين ، ولم يعهد عنده حصول الإنسان مرة ثانية من عظامه الرميمة ، فليستبعد غاية الاستبعاد ويتعجب غاية التعجب ، على أن أكثر الأشياء لو قطع النظر عن تكرر مشاهدة الإنسان حدوثها يكون حالها هذا الحال :
منها : حدوث الإنسان بعينه عن هذه الأسباب ، فان أحدا لو لم يكن رأى تولد الإنسان وحكى له كيفيّة تولده عن الأبوين بعد اجتماعهما وانفصال شيء قليل المقدار من أحدهما في جوف الاخر ثم خروجه بعد تسعة أشهر من مسلك ضيق شخصا متكّثر الأعضاء ، مختلف الاشكال ، ذا حواس مختلفة وحركات متفننة ، مبائن الحقيقة لتلك الرطوبة في جميع صفاته سوى الجسميّة ، ثم بعد خروجه اهتدائه بمص الضّرع وبكائه ان منع منه ساعة ، ففيه شهوة وغضب ، ومحبّة وخصومة ، وكذا سائر صفاته وآثاره المعلومة وغير المعلومة فلا يكاد أن يذعن به .
فهكذا حال المنكر للبعث وتعجبه عن إعادة الإنسان مرة أخرى في دار القيامة ، فاللّه تعالى نبّه على أن تعجبه انما يكون لجهله بوجه المناسبة بين كل مادة وما يخلق منها ، فقوله تعالى :
« أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ »
إشارة إلى أن التعجب في تولده ابتداء أكثر من التعجب في إعادته ثانيا ، ففي كون الإنسان موضع التعجب بحسب خلقته من النطفة أولا أليق وأولى من كونه كذلك بحسب نشوه الأخروي من أعضائه البالية ثانيا .
وقوله :
« وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ »
إشارة إلى أن جهة الارتباط بين كل مادة