كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ
[ 40 / 6 ] .
سدت عليهم الطرق وأغلقت عليهم الأبواب ، إذا لقلب هو المشعر الإلهي الذي هو محل الإلهام ، فحجبوا عنه بختمه وطبعه ورينه ، والسمع والبصر هما المشعران لادراك الإنسان الكامل خليفة اللّه في أرضه ، وهما بابان للفهم والاعتبار فحرموا عن جدواهما لطمس عيونهم وصمم آذانهم ، فلا يمكنهم الانتفاع بهما والاستعمال لهما فيما خلقا لأجله ، لامتناع نفوذ المعنى فيهما إلى قلبهم ، فلا سبيل لهم في الباطن إلى العلوم الكشفية الالهامية ، ولا في الظاهر إلى العلوم التعليمية الكسبية الادبيّة ، فسدت عليهم الطريقتان .
فالسد الأول الواقع من بين أيديهم يوجب انسدادهم عن الوصول إلى عالم الآخرة وعالم الغيب والباطن ، الذي يتوجه اليه النفوس بحسب الفطرة بالموت الطبيعي .
والسد الثاني الواقع من خلفهم يوجب انسدادهم عن الانتفاع بعالم الأجسام وصرف نعم اللّه من الآلات والحواس الجسمانية فيما خلقت لأجله ، فحبسوا في سجون الظلمات ووقعوا في شجون أودية الهوى والدركات ، مغشّون بأغشية الهيئات الرديات ، مغطون بأغطية الشواغل الماديات ، ولذا قال : « فأغشيناهم فهم لا يبصرون » اى غطيناهم وجعلنا عليها غشاوة عن أن تطمح إلى مرئى ، لان شرط الرؤية مفقودة ، لأنهم في حجب ثلاثة وظلمات ثلاثة : عمى القلب أولا وعمى الشواغل والتعلقات ثانيا ، وعمى الجحود والعناد ثالثا ، فما أعظم عذابهم ! وما أشد حجابهم حيث قال اللّه فيهم إعراضا عنهم وتسريحا إياهم في مرتع الدواب خليعى العذار ، وتسوية بينهم وبين الانعام السائمة بلا قيد وعقال :