تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
بل الفيل العظيم بشخصه ، الظاهر قوته ، عاجز عن أمر نفسه فكيف هذا الحيوان الضعيف ، أفلا يشهد هو وشكله وصورته وحركته وهدايته وعجائب صنعته بفاطره الحكيم ومدبره العليم ؟ فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة الخالق المريد الخبير ، وجلاله وكمال قدرته ما يتحيّر فيه الألباب والعقول ، فضلا عن سائر الحيوانات من الانعام وغيرها ، وانما سقط تعجب القلوب منها لأنسها بكثرة المشاهدة . والإنسان أعجب الحيوانات ، وأعجب كل عجيب ، وليس يتعجب من نفسه وأكثر الناس ناسون أنفسهم ، غافلون عن عجائب القلب ، شاكّون في أمر المعاد وبقاء النفس وسعادتها وشقاوتها ، لأنهم عن الذكر لمبعدون ، وعن السمع لمعزولون ، وعن آيات ربهم معرضون ، لأنهم غرتهم الحياة الدنيا ، ليسوا من أهل المحبة الإلهية . ولو أنك تعظم عالما بسبب معرفتك بعلمه ، فلا تزال تطلع على غرائب شمائله وآثاره ، وصنايعه البديعة ونكاته الدقيقة ، وتصانيفه الرشيقة وأشعاره الحسنة وكتبه النفيسة ، فكلما تصفحت غريبة من تصنيفه وشعره ، فتزداد به معرفة وتزداد بها محبة ، وله توقيرا وتعظيما واحتراما ، حتى أن كل كلمة من كلماته وكل بيت من أبيات شعره يزيده محلا في قلبك ويستدعى التعظيم له من نفسك . فهكذا المحبون للّه ، العاشقون لصنعته وقدرته ، يتأملون في بدائع خلق اللّه وتصنيفه ، ويتدبرون في دقائق حكمة اللّه وعنايته في وجود السماوات والأرض وما بينهما ، ثم اعلم أن نظر العشاق الإلهين في كل شيء نظر آخر ، لان عيونهم مكحلة بسواد الزبر الموروثة من الأنبياء ، وبصائرهم منورة بأنوار متابعة سيد