فهو بالحقيقة مشرك عابد للصنم - سواء كان صنمه صورة موهومة أو شبحا محسوسا - وقد مر انه لا يعتقد من معتقد من المحجوبين الذين جعلوا الاله منحصرا في صورة معتقدهم فقط الا بما جعل في نفسه وتصوره بوهمه ، فان الاله من حيث ذاته منزّه عن التعيّن والتقيد ، وبحسب أسمائه وصفاته له ظهورات في صور مختلفة ، فكل من أحب غير اللّه كحب اللّه ، فلم يكن أهلا لمحبة اللّه مخلصا ، بل طردته العزة والغيرة الإلهية إلى محبة الأنداد واتخاذ ما هو دون اللّه ، سواء كانت الأهل والأولاد والأحجار والأجساد .
وتحقيق ذلك ان كل محبة لشيء فهو عبودية له ، والمحبة نوعان : محبة هي من صفات النفس الانسانية ، - وهي من هوى النفس الامارة بالسوء - ومحبة هي من صفات الحق - وهي محبة المعرفة والحكمة - كما في قوله تعالى : « كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لا عرف » فكما أن محبوب الحق كونه معروفا ، فمحبوب أهل اللّه كونهم عارفين له ، كما أشار اليه قوله :
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ 5 / 54 ] فمن وكل إلى محبته النفسانية تعلقت محبته بما يلائم هوى النفس وشهواتها من الأصنام وغيرها - .
فكما ان الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها ، وبعضهم يحبون العزى ويعبدونها ، كذلك أهل الدنيا بعضهم يحبون الأموال ويعبدونها ، وبعضهم يحبون الأولاد ويعبدونها ، كما قال تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
[ 2 / 165 ] ولقد حذر اللّه تعالى الخلق عن فتنة هذه الأشياء وأعلمهم عداوتها بقوله :
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[ 64 / 15 ] وبقوله :
إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
[ 64 / 14 ] يعني : فاحذروا عن محبتهم ، لأنها عدو لكم يمنعكم عن محبة اللّه ، - وهو الحبيب الحقيقي والمقصود الأصلي - وانهم العدو .