وعلم وكلام ، والكل من رشحات وجوده وتوابع خيره وجوده ، وهو منعم جميع النعم ، ورب الأرباب ومسبب الأسباب .
فإذا تقرر عندك - أيها القاري لكتاب اللّه - هذه المقدمات ، وتأملت في هذه الأسباب المترتبة لخلقة الحيوان المعمولة لأجل الإنسان تأملا كاملا ، وتدبرت فيها تدبرا شافيا ، علمت بما في هذه الآية من الإشارة إلى آثار حكمة اللّه العظيمة وبدائع لطفه وإحسانه ، والاشعار بنعمه الجسيمة وامتنانه .
فقوله : « أو لم يروا » استفهام معناه الامر بالنظر والاعتبار والحثّ على التدبر والاستبصار في الأمور التي ذكرنا شطرا منها مما يتوقف عليها خلقة الحيوان ، لينكشف على المتأمل ان أسباب خلقته لا تتم الا بما عملته أيدي الرحمان ، ليتمكن على قليل من شكر نعمه العظيمة ، ويهتدي إلى لمعة من معرفة جوده وحكمته الجليلة .
ولولا فضله ورحمته وهدايته إذ قال :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ 29 / 69 ] لما اهتدينا إلى معرفة هذه النبذة اليسيرة من نعمته وحكمته
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ
[ 29 / 49 ] .
ولولا عزله إيانا عن أن نطيح بعين الطمع إلى الإحاطة بكنه نعمه ، وتحذيره وتحذير رسوله إيانا عن التفكر في ذاته لتشوقنا إلى طلب الإحاطة والاستقصاء بكنه نعمه ، وتطلعنا إلى التفكر في ذاته ، وطلب الاكتناه بحقيقته ، لكن عزلنا بحكم القهر والقدرة ، فقال :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
[ 14 / 34 ] وحذرنا بحكم الصمدية وشدة النورية التي احتجب بها ، فقال :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
[ 3 / 30 ]
وقال نبيه المنذر صلى اللّه عليه وآله : « تفكروا