الإنسان ، فإذا استدار فقد عمل فيه قريب من سبعة آلاف صانع ، كل صانع أصل من أصول الصنايع التي تتم بها مصلحة الخلق .
ثم تأمل كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات ، حتى أن الإبرة - التي هي آلة صغيرة يفتقر إليها في بعض أمور الحراثة وفي خيط اللباس للزارع الذي يمنع عنه البرد - لا يصلح صورتها من حديد يصلح للابرة الا بعد أن تمر على يد الا برىّ خمسة وعشرين مرة يتعاطي في كل مرة عملا .
فلو لم يجمع اللّه البلاد ، ولو لم يسخر العباد ، وافتقرت إلى عمل المنجل الذي يحصل به البر والشعير مثلا بعد نباته ويبسه لنفد عمرك وعجزت عنه .
ثم إن هؤلاء الصناع المصلحين للآلات والأطعمة وغيرها لو تفرقت آراؤهم وتنافرت طباعهم - تنافر طباع الوحش - لتبددوا وتفرقوا وتباعدوا ، ولم ينتفع بعضهم ببعض ، بل كانوا كالوحش لا تحويهم مكان واحد ، ولا يجمعهم غرض واحد ، فانظر كيف ألّف اللّه بين قلوبهم ، ولو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألّفت بين قلوبهم ، فلأجل الألف وتعارف الأرواح اجتمعوا وائتلفوا وبنوا المدن والبلاد ، ورتبوا المساكن والدور متقاربة متجاورة ، ورتبوا الأسواق والخانات وسائر أصناف البقاع .
ثم هذه المحبة مما قد تزول بأغراض يتزاحمون عليها ويتنافسون فيها ، وفي جبلة الإنسان الغيظ والحسد والمنافسة ، وذلك يؤدى إلى التقابل والتنافر فانظر كيف سلط اللّه السلاطين وأيّدهم بالقوة والقدرة ، وألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتى أذعنوا لهم طوعا أو كرها .
وكيف هدى اللّه السلاطين إلى طريق إصلاح البلاد حتى رتبوا أجزاء المدن كأنها أجزاء شخص واحد يتعاون على غرض واحد ينتفع البعض منها بالبعض
تفسير القرآن الكريم — صفحة 323
مساهمون: محمد خواجوى
ص٣٢٣