لا تفي قوة البشر باحصائها ، ولو لم يكن كذلك لكان خلقها عبثا وباطلا ، ولم يصح قوله تعالى :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
[ 3 / 191 ] وقوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
[ 21 / 16 ] وكما أنه ليس في أعضائك عضو الا لفائدة فالعالم كله كشخص واحد ، وآحاد أجسامه كالأعضاء له ، وهي متعاونة تعاون أعضاء بدنك في جملة بدنك وشرح ذلك يطول ، وأكثر الناس غافلون عن حكم اللّه في السماء والأرض ، جاحدون في خلقها ، معرضون عن آياتها ، لقوله تعالى :
وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ
[ 21 / 32 ] .
وتوهم بعضهم أن التفكر في حكمة ما في السماوات والتدبر في آياتها يستلزم الايمان بالنجوم المنهي عنه في الشرع ، لجهلهم بامتياز هذا العلم عن علم الأحكاميين ، الذين يحكمون على الكواكب بآثار أرضية في ساعات معيّنة رجما بالغيب ، بحسب تخمينات ومجاز فات وتجارب ناقصة ، فأحكامهم من هذه الجهة كاذبة وان اتفقت أحيانا .
وليس كذلك علم الهيئة والهندسة والحساب من الرياضي ولا علم السماء والعالم من الطبيعي ، ولا البحث عن مباديها وغاياتها والنظر في الآثار والحكم المترتّبة عليها كليّة من العلم الإلهي ، فان جميع ذلك من العلوم الشريفة ومن الحكمة الممدوحة في الكتاب والسنّة ، الا ان بعضها أشرف من بعض ، وهو ما يكون أوثق برهانا ، وأعلى لميّة ، وأقضى غاية ، وأرفع غرضا وفائدة ، ولذلك
نظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله إلى السماء وتدبر في نجومها وقرء قوله تعالى :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
[ 3 / 191 ] ثم قال :
« ويل لمن قرء هذه الآية ثم مسح بها سبلته » « 1 » ومعناه أن يقرأ ويترك التأمّل ،
هامش
( 1 ) - مضى في ص 230 .