فاعلم أن الأطعمة كثيرة ، وللّه في خلقتها عجائب كثيرة لا تحصى عددها وأسباب متوالية لا تتناهى وصفها ، وذكر ذلك في كل طعام مما يطول ، إذا لا طعمة اما أغذية واما أدوية واما فواكه .
فلنأخذ الأغذية فإنها الأصل - ولنأخذ من جملتها الحبوب ، بل حبة من الشعير أو الحنطة التي يتغذى بها الحيوان أو الإنسان ، فنقول : إذا وجدت حبة أو حبّات فلو أكلتها أو أطعمت بها دابتك لفنت وبقيت أو بقي دابتك جائعا ، فما أحوجك أن ينمو الحبة في نفسها أو يتضاعف حتى يفيء لجميع حاجاتك ، فخلق اللّه في الحبة من القوى ما تتغذى - كما خلق فيك - فان النبات انما يفارقك في الحس والحركة لا في الاغتذاء ولسنا نطنب في ذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء إلى نفسه وإمساكها ، وهضمها ودفع فضولها ، ولكن كلامنا في نفس الغذاء - كيف يحصل - لا في الاغتذاء به .
فنقول : كما أن الخشب والتراب لا يصلح لغذائك ، بل تحتاج إلى طعام مخصوص مناسب لك ، فكذا الحبة لا تغتذي بكل شيء ، بل تحتاج إلى شيء مخصوص مناسب لها ، بدليل انه لو تركتها في البيت لم تزد بمجرد مصادفة الهواء ، ولو تركتها في الماء لم تزد ، ولو تركتها في أرض لا ماء فيها لم تزد ، بل لا بد من أرض فيها ماء يمتزج مائها بالأرض ، فيصير طينا ، واليه الإشارة بقوله تعالى :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا
- الآية [ 80 / 25 ] .
ثم لا يكفي الماء والتراب إذ لو تركتها في أرض ندّية صلبة متراكمة ، لم تنبت لفقد الهواء ، فيحتاج إلى أرض خربة متخلخلة ، يتخلخل الهواء إليها ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه ، فيحتاج إلى ريح يحرك الهواء ويضربه بقهر وعنف على وجه الأرض حتى ينفذ فيها ، وإليها الإشارة بقوله تعالى :
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
[ 15 / 22 ] وانما لقاحها في إيقاع الازدواج بين الهواء والماء