عالم التقديس وجواهر الملكوت العقلية ، المرتفعة بحسب كمالهم العلمي عن سوافل عالم الغواشي المادية الموجبة للجهالة ، فان بناء العلم والانكشاف على التجرد والخلاص عن اللواحق الغريبة ، وتميّز الخبيث عن الطيب ، وبناء الجهالة على التلبّس بالاغشية الظلمانية السفليّة .
فمن لم يكن بحسب جوهره وذاته من العالين - اي من جنس الملائكة العلويين - فلا يصل إلى مقامهم - لا بالفعل ولا بالقوة - فان التعليم والتهذيب لا يظهران الا ما هو كامن في جبلّة الشخص وذاته .
فهذه وجوه دالة على كون الشيطان ممنوع الذات والجبلة عن الاهتداء بطريق الحق والارتقاء على عالم الملكوت ، مطرود الماهية عن الوصول إلى إقليم النور والنعيم ، محترق الطبيعة بنار الحرمان والبعد في أسفل دركة الجحيم .
ومنها : انه خالف اجماع الملائكة في سجود آدم ، وهذا دالّ على غاية خباثة باطنه وسوء فطرته حيث استبدّ برأيه واستنكف عن الموافقة مع أهل اللّه واخوان التجريد وأولياء اللّه .
ومنها : انه خاطبه اللّه خطاب الامتحان بجوهر ذاته ، ليظهر به حجة اللّه عليه واستحقاقيّة اللعن والبعد وقال :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
[ 7 / 12 ] فلو كان ذا بصيرة لقال : « منعني تقديرك وقضاؤك ومشيتك الأزلية » فلما كان أعمى بالعين التي ترى أحكام اللّه وتقديره وهويّته ، بصيرا بالعين التي ترى أنانيته ، فقال :
« أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ »
اي : منعني خيريتي منه أن أسجد لمن هو أدنى .
ومنها : استدلاله في مقابلة النص على خيرية ذاته بقوله :
خَلَقْتَنِي مِنْ