تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
يمت عن نشأته التي فيها لم يمكنه التجاوز إلى نشأة أخرى فوقها . ومن نظر إلى حال الإنسان من أول تكوّنه إلى غاية نشوه - حيث كان أولا نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم جنينا ، ثم طفلا - تيقّن أن بناء استكماله وبناء انتقاله إلى حالة أخرى زواله عن الحالة الأولى ، فما لم يخلع عن ذاته كسوة صورة سابقة لم يتلبّس بكسوة صورة لا حقة ، ومتى لم يمت عن نشأة لم يحي بحياة ثانية . ومنها : انه لو كان في ذاته إمكان الترقي إلى مشاهدة الحقائق الالهيّة والتفطن بالعلوم الربانية لكان بالغا إلى شيء منها في المدد المتطاولة والألوف ( الايون - ن ) الجمّة الغفيرة من الأحقاف والاعمار والأدوار والأكوار التي مضت عليه مع كثرة الشواهد والآيات الدالة على حقية وجود الباري الكريم الجواد ، وكيفية صفاته وآثاره وحقيقة أسرار المبدإ والمعاد ، وانتفاء التالي يدل على انتفاء المقدم . أما الملازمة فواضحة واما انتفاء التالي : فلانّ أقل المراتب في معرفة المبدإ من علم الآفاق والايمان بقدرة الباري ووجوب عبوديته وامتثال أمره ونهيه ، وأدنى المراتب في معرفة المعاد من علم الأنفس الإذعان بوجود النشأة الباقية للإنسان وفضيلته على سائر المكونات ، ومعلوم ان هذا القدر من المعرفة لم يكن حاصلا له ولو على وجه التقليد والظن الحاصلين لأكثر العوام من أهل الإسلام . ومنها : قوله تعالى :
أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ
[ 38 / 75 ] فإنه كاشف عن خسّة ذاته وقصور جوهره عن أن يكون من العالين ، وهم سكان