- بحسب القوة العملية وأعمى قلبا عن رؤية الحق ، وأضل انحرافا عن الصراط المستقيم من الشيطان الرجيم - بحسب القوة النظرية - فان الحيوانات - وان كانت أشرارا خسيسة دنيّة - والشياطين وان كانت خبيثة ضالة عن طريق الحق - لكن ليست لها استعداد الارتقاء إلى مقارنة الحق الأعلى ، ومجاورة مقربيه وطبقات جنانه وملكوته ، وأما هؤلاء فإنهم كانوا بحسب أصل الفطرة وميثاق عهد الربوبية مستعدين لسلوك سبيل اللّه والحشر إلى جناب رحمته والفوز بجنانه والوصل إلى رضوانه ، وقد بطل استعدادهم النظري لرؤية الأشياء كما هي بالطمس على عيونهم ، وفسد اقتدارهم العملي العروجي بالمسخ ، فصاروا مغلولي الأيدي ومقيدي الأرجل ، كالقردة المغلولة ، والخنازير المقيدة ، حيث زيد فيها غلّ على غلّ ، وقيد على قيد .
ولذا قال تعالى نظرا إلى زوال القوة الدراكة بالطمس
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
[ 8 / 22 ] ونظرا إلى كلال القوة الحراكة بالمسخ :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
[ 7 / 179 ] .
فان قلت : دعوى عدم الاستعداد رأسا للارتقاء إلى عالم السماء في الحيوانات الصامتة وان كان مسلما معلوما ، لكن عدم استعداد ادراك المعارف في الشيطان غير معلوم ، لأنه كان واعظا للملائكة معلما لهم .
قلت : هذا عند أهل اللّه أمر محقق ثابت ، ولهم في ذلك شواهد كشفية ودلائل قرآنية :
منها : اعتراضه على الحق وتمرده عن سجدة آدم ، فهذا دل على أن إدراكه من باب التخيلات والأوهام ، غير بالغة إلى حد التعقّل ، وليس من شأنه العروج إلى سماء اليقينيات ، وانما غاية سيره ( مسيره - ن ) إلى سوافل